« أنماط «التطبيع» وظروفه | HomePage | الديموقراطية بين حدّي الاستبداد والاحتلال »
19/03/2005
جماعات لبنان "الاستراتيجية"
ـالمستقبل - الاحد 13 آذار 2005 - العدد 1859 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
لبنان لا ينفك يفاجئ. لم تتردد في الآونة الأخيرة، ومنذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على ألسنة المراقبين عبارة في توصيف المجريات اللبنانية قدر تردد عبارة "المفاجأة". فقد استأثرت هذه الكلمة بالتحركات الشعبية الأخيرة في ذلك البلد بكل "صيغ التفضيل": التظاهرات التي سارت منددة بجريمة الاغتيال وسرعان ما تحوّلت "انتفاضة استقلالية"، احتفالية كما في "البلدان المتحضرة"، كانت "أول" و"أهم" حركة مدنية يشهدها الشرق الأوسط، وبداية "الربيع الديموقراطي" في تلك المنطقة وفي سائر المنطقة العربية. أما التظاهرات التي خرجت يوم الثلاثاء، نظمها الموالون وامتلك زمامها في حقيقة الأمر "حزب الله"، فكانت "أضخم مظاهرة في تاريخ لبنان".
في الأمر هذا ما قد يقلق على أكثر من صعيد. أن تكون "المفاجأة" هي كل المتاح "للطبقة السياسية" بمعناها العريض، قادة ونشطاء وأحزاباً وصحفاً ومحللين ومراقبين، فإن في ذلك ما يشي بأزمة كبيرة، هي أزمة فهم وأزمة فعل سواء بسواء، ليس أبلغ دلالة عليها من تخبط الموالين والمعارضين، تباعاً وحسب مستجدات "الشارع"، بين الحماس والإحباط، وانتقال الشعورين ذينك من معسكر الى معسكر في غضون أيام معدودات، على نحو قد لا يكون نهائياً بطبيعة الحال. كأنما "الشارع" العتيد هو من بات يمتلك زمام المبادرة، وكأنما الحياة السياسية اللبنانية صارت تجري، بل تُحسم، في "الشارع". وذلك ما يفصح عنه، على نحو يكاد يكون كاريكاتورياً، مآل رئيس الحكومة السابق ـ المقبل عمر كرامي، الذي أودت به مظاهرة وستعيده، على الأرجح، الى سدة الحكم، مظاهرة أخرى!
بطبيعة الحال، ليس من اعتراض مبدئي على "الشارع" وعلى دوره في الحياة السياسية، خصوصاً إن كان كاللبناني (معارضاً كان أم موالياً والحق يُقال)، قد طعّم الثقافة السياسية العربية بنكهة غير معهودة، هي تلك الصبغة المدنية التي تحلى بها متظاهرو ساحة الشهداء من ناحية، وبذلك الانضباط الذي أبداه "جمهور الموالاة" من ناحية أخرى، فكان أن مرت "أضخم مظاهرة في تاريخ لبنان" دون أن يعكر صفوها حادث أمني واحد. لكن الشارع ذاك، وهو لا يُضبط دوماً وفي كل الحالات، لا يجب أن يكون حيّز الحياة السياسية وحلبتها الأولى، يقوم مقام المؤسسات الدستورية وسواها من الهيئات والمراتب الناظمة ويستوي بديلاً عنها، علماً بأن هذه الأخيرة هي مناط الديمقراطية ومجالها وعلامة عافيتها من عدمها.
ثم ان التظاهرات اللبنانية، وإن كانت من علامات حيوية المجتمع ومظهراً من مظاهر تدخله في الشأن العام، على نحو بنّاء حتى الآن، بل أنه في بعض الأحيان افتتح مجالات تعبير أخفقت الأحزاب والمنظمات القائمة في ارتيادها، إلا أنه كشف من ناحية أخرى عن واقعة غير مريحة، ويُخشى منها أن تستفحل إن توالت أفعال التظاهر والتظاهر المضاد من دون أن تستدركها السياسة، وهي تلك المتمثلة في عزل الطائفة الشيعية أو في اعتزالها عن سائر طوائف لبنان ومكوناته، خصوصاً وأن الخلاف يبدو جوهرياً، متعلقاً بموقع لبنان ومصيره، وبشأن أساسي هو العلاقة مع سوريا وما تستتبعه من اصطفاف استراتيجي على صعيد المنطقة وفي النصاب الدولي كما هو قائم حالياً. كانت للشارع مزية الكشف، على نحو واضح سافر، عن الإشكال، ولكن الإشكال ذاك، وتحديداً لهذا السبب، يجب أن يخرج من الشارع لتستعيده السياسة، وهذه تمثل الوسيلة الوحيدة للتحكم فيه ودرء انزلاقاته. صحيح أن اللبنانيين لا يبدون ميالين الى مكابدة الاحتراب الأهلي من جديد، وذلك ما يمثل حصانة أو بعض حصانة، لكن "الشارع" أمّار بالسوء، ولا يمكن المخاطرة بالتعويل على نضجه الى ما لا نهاية.
إذ يبدو، على ما يقول لبنانيون كثر، وهم بطبيعة الحال أدرى منّا بشعاب بلدهم، أن هناك مشكلة شيعية، وأن المشكلة تلك تتمثل في انزواء طائفة أساسية، عددياً وسياسياً، خصوصاً من خلال دورها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، خارج ما يلوح إجماعاً وطنياً على إنهاء الوجود السوري. يعود ذلك الى عوامل عديدة، ربما تمثل أحدها في أن الطائفة تلك اكتسبت، أقله في نظر نفسها، ما يمكن أن يُسمّى بصفة "الطائفة الاستراتيجية"، أي تلك التي تتموضع في النصاب الداخلي انطلاقاً من موقع استراتيجي تأنسه لنفسها على صعيد المنطقة، وليس حصراً أو بالأساس انطلاقاً من محددات محليّة. وإذا صحت مثل هذه الفرضية، فإن الطائفة الشيعية اللبنانية قد لا تفعل بذلك غير استعادة تجارب مرّت بها طوائف لبنانية أساسية أخرى: الطائفة المارونية التي استقوت، في بعض فتراتها، بالرابطة الدينية والثقافية (الحقيقية أو المبالغ في تقديرها) التي تربطها بالغرب، والطائفة السنية التي استندت الى المحيط العربي (خصوصاً خلال الحقبة الناصرية، ثم الحقبة الفلسطينية) واستجلبت نضاليته الى "الساحة اللبنانية". وفي الحالتين، كانت "الطائفة الاستراتيجية" أو التي تأنس في نفسها تلك الوظيفة، التي هي أكبر من لبنان على ما يبدو، أداة إرباك للتوازن الهش في ذلك البلد، وعامل توتير بلغ مبلغ النزاع المفتوح. وفي ذلك ما من شأنه أو ما يُفترض فيه أن يدفع قادة الطائفة الشيعية اللبنانية الى التفكير وإلى الاتعاظ، وهم على ما يبدو واعون بذلك تمام الوعي.
في التظاهرة الأخيرة التي سيرتها المعارضة، "أضخم تظاهرة في تاريخ لبنان"، ما يبشر بذلك. فهي عدا عن سلميتها، تخللها حرص واضح على الحوار وعلى البحث عن مواطن الإجماع، على ما تبدّى في خطاب السيد حسن نصرالله. ثم ما الضير في تنظيم تظاهرة ضخمة، تتوجه بالشكر الى سوريا على الدور الذي اضطلعت به في لبنان، وهذا أبعد عن أن يكون سلبياً بالكامل، تحفظ ماء الوجه بالنسبة الى دمشق، وتشعرها بأنها لن تنسحب من لبنان مطرودة تلاحقها لعنات شعبه، وتمثل في الآن نفسه استثمارا في مستقبل العلاقات بين البلدين، وهذه لا مهرب منها ولا مناص لها من أن تكون ودية على ما يقول قادة المعارضة أو أبرزهم وأكثرهم مسؤولية، ما دام الانسحاب السوري من لبنان أمراً لا مفر منه، مطلباً دولياً ملحّاً، بصرف النظر عن عدالته أو عن إجحافه، تمليه الإرادة الدولية وميزان القوة، وهذا ما يُفترض أن القيادة السورية على وعي به، حيث قال الرئيس بشار الأسد، وهو يخاطب صحفاً أميركية، أنه "ليس صدام حسين"، وكرر رغبته "في التعاون".
وإذا كان الانسحاب ذاك حاصلاً لا محالة، فربما كان من الأفضل، والحالة هذه، أن تواكبه مسيرات شكر لسوريا، وحتى التظاهر بأنه إنما يجري تنفيذا لاتفاق الطائف لا للقرار 1559، "العدواني والبغيض"... إذا كانت العبرة بالنتيجة.
أما المهمة الأعسر والأشق، فهي تلك المتمثلة في إعادة اجتراح نصاب لبناني قابل للحياة، أو في إعادة اختراع الوطنية اللبنانية.
09:29 Permalink | Email this


