« العلاقات الأوروبية الأميركية | HomePage | الواقعة اللبنانية كنقيض لنموذج العراق »
09/03/2005
ليسوا جماهير، بل "قوة هادئة"
المستقبل - الاحد 6 آذار 2005 - العدد 1852 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
أوكراني هذا الذي يجري في لبنان؟ غير عربي على أي حال، أقلّه وفق معاييرِ "عروبة" سياسية درجنا عليها ولا تنحصر في الأديولوجيات الرافعة لواءها، بل تفيض عنها وتتخطاها لتستوي مسلكاً أو "ثقافة سياسية" أعم وأشمل.
فهؤلاء المتظاهرون في بيروت (يكاد المرء يدرج تظاهرهم بين مزدوجات، لفرط غربته عن سنّةٍ في ذلك الصدد معلومة)، ليسوا "جماهير" أحزاب أو طوائف، لا يأتلفون حول عصبية صلبة، أو تستعير صلابتها وتصطنعها من حدّة شعاراتها ومن رفع العقيرة بها، عنتريات كاريكاتورية من قبيل "باريس مربط خيلنا".
هؤلاء المتظاهرون في بيروت لا يمشهدون الغرائز البدائية، سمِّها سياسية إن شئت، من "غضب" (ذلك المصلطح الأثير في رطانة نضالية أقمنا عليها مديداً) أو من شماتة أو ما إليهما، ولا يخوضون مسيرات تحاكي الحروب، تعوّض عنها أو تستبقها وتنذر بها أو تستكلمها امتداداً لها. المتظاهرون اللبنانيون "قوة هادئة"، اكتسبت قوتها من هدوئها، وهم مواطنون لا "جماهير"، أفراد لا يجحدون أروماتهم الطائفية والثقافية المتنوعة والتي كابدوا مريراً تنافرها وتناحرها في ماضيهم القريب، ولكنهم يأتلفون في جماعة وطنية رحبة، لا جماعة منصهرة، سُبكت سبكاً، أقلّه لحظة تجمهرها وفي انتظار انفضاض شملها، في ملغمة الأيديولوجيا أو الانتماءات الدنيا.
يحتجون ولكن احتجاجهم ليس سلبياً، لا يقتصر على إنكار نصاب قائم وإعلان البرم به، بل يعيشون بديله المنشود، يضعون أسسه من خلال فعل الاحتجاج وفي أثنائه، يخترعون أواصر اجتماعهم ويتواطأون على المواطنة التي يتوقون إليها، يبسطونها أمراً واقعاً، أو أمراً يشبه الواقع ويدانيه، أمام ساستهم وقادتهم بل ونخبهم المثقفة، قبل أن تحتويه مؤسسات يُصار الى إنشائها أو قبل أن ينتظم في سلوك وفي تقاليد تُرسى. لذلك انتزع المتظاهرون زمام المبادرة (...التاريخية، لولا الخشية من الولوغ مجدداً في ركيك خطابتنا المعتادة)، ولاحوا كالساعين الى اجتراح وطن لا الى مجرد ترميمه، وبدوا في ذلك قوة تقود أكثر مما تنقاد، أو أن الأمور اختلطت والتبست الوظائف بين القائد والمقود، حتى إذا ما دعا وليد جنبلاط، عشية مسيرة يوم الاثنين الماضي، الى الاكتفاء برفع الأعلام اللبنانية رمزاً للجامع المشترك، وكان له ما أراد، لم يكن واضحاً إن كان المتظاهرون استجابوا لإرادة الزعيم الدرزي أو إن كان هذا الأخير هو الذي يأتمر بأمر، كانت له مزية التوفيق في تأويله، ما انفكّ "الشارع" يعبر عنه ويُصدره، برسم الموالاة والمعارضة سواء بسواء، منذ الرابع عشر من شباط. لذلك، إذا كان "الشارع"، على سبيل المثال، قد أسقط حكومة عمر كرامي، وهو ما لم يكن للبرلمان دور يُذكر فيه، فإنه في الآن نفسه لم يرفع المعارضة المؤسّسة بالضرورة، مكتفياً، حتى اللحظة، بتوجيهها. فـ"الشارع" فاجأ الجميع على ما يبدو، أربك السلطة المحلية والسلطة الراعية أو سلطة الوصاية، كما أربك المعارضة، وإن أسعدها، أقله من باب التلاؤم مع إيقاع أملاه "الشارع" إياه، وما كانت على الأرجح تتوقعه.
ولكن أين كان ذلك "الشارع" ومن أين خرج؟ إذ لا شك أنه اعتمل طويلاً وعميقاً، تحت ظاهر المجتمع اللبناني وسطحه، قبل أن يظهر على هذا النحو، وأنه ليس ابن لحظته، حتى إن تمثلت تلك اللحظة في جريمة اغتيال رفيق الحريري وفي هول تلك الجريمة، وأن هذين، أي الجريمة وهولها، مكناه من فرصة بل من شرعية البروز ولم يخترعاه.
المتظاهرون اللبنانيون فضحوا (وإن من خلال خصوصيتهم اللبنانية) وفي الآن نفسه تداركوا أو هم قد يتداركون، فجوة سحيقة بين الثقافة السياسية "الرسمية"، سواء كانت في السلطة أو في المعارضات بأنواعها، وبين الناس. تلك الأولى لا ترى هؤلاء، أو بالأحرى لا تتوهمهم، إلا على هيئة جماعات معبّأة، في الإشادة بالحاكم إن كانت في الحكم، أو ضده وانشقاقاً عنه إن كانت في المعارضة. كائنات أيديولوجية في كل الحالات، أو هم مادة أولية للأيديولوجيا على أي حال. لا يُرون في حقيقتهم بل في ما هو مأمول منهم أو مُتوجس منهم. المعارضون، وقد انتحلوا صفة الكلام باسم "الشعب" (إن تواضعوا، وإلا فهي الأمة بأسرها) وتمثيله، يعتبرونه الى جانبهم حكماً، حتى إذا ما لم يستجب، في اللحظة وبالطريقة التي يريدون، استشعروا خيبة الأمل والخذلان واستنكروا خنوعه واستسلامه أو لا مبالاته وقد يهجونه هجاء مراً، وأما الحكام، فهو يستهويهم مصفقاً، ويتوجسونه معترضاً، ويعتبرون أنه إن مُكِّن من الحرية، فسيسيء استخدامها حتماً، سيحوّلها فوضى وتخريباً، إذ لا تجتمع العامة إلا على ضلالة.
قد يكون ذلك صحيحاً من الناحية المبدئية، فالعامة تتبع كل ناعقٍ ديماغوجي، في كل الأزمنة والأصقاع، لكن القاعدة تلك تشذ عنها استثناءات، في لحظات تاريخية بعينها، خصوصاً كما هي الحال عندنا، حيث تحتكر "نُخب" السياسة والرأي، الثقافةَ السياسية الرعاعية، إنتاجاً وإعادة إنتاج وترويجاً، كما تُفصح وسائل إعلامنا، خصوصاً التلفزيونية منها، يومياً.
والمتظاهرون اللبنانيون يمثلون دحضاً بليغاً لتلك الثفافة السياسية الرسمية، وبراءة تامة منها. صدروا عن حيّز يقع خارج كل أطرها ومفرداتها المعلومة، والأنكى من ذلك أن الظاهرة تلك، وهي على ما قلنا ليست بنت لحظتها، نشأت وتنامت على نحو "سري"، أي بعيداً عن وسائط التسييس والتعبير السياسي المعتادة والمشهورة، كما لو أن المتظاهرين أولئك تلقوا تكوينهم السياسي، وشكلوا آراءهم وبلوروها، بمعزل عن المجتمع السياسي، من خلال التواصل مع العالم الخارجي ومراقبة ما يجري فيه، من خلال الهجرات والعودة منها، علماً بأن الهجرة اللبنانية، تخصيصاً، تكاد تكون، على كثافتها، هجرة نخبوية حصراً، أقلّه قياساً الى هجرات عربية أخرى، بائسة، أوساطاً ودوافع، أو فقط وببساطة من خلال ممارسة العيش، وهذا لا تختصره السياسة، خصوصاً على شاكلة ما هي عليه في بلداننا، ولا ينحصر في المهرجانات الحزبية وفي معسكرات التدريب وفي احتراف التظاهر.
نتاج كل ذلك أن الشارع، أقله ذلك اللبناني، تسيّس بوسائله الخاصة، بعيداً عن "المجتمع السياسي الرسمي"، وبمعزل عنه، فكشف تهافت هذا الأخير وقصوره وتقصيره.
وبذلك يكون المتظاهرون اللبنانيون قد رفعوا غشاوة وقد أشاروا الى طريق. إذ ربما وُجد في بلدان عربية أخرى، أمثال لهم كامنون ينتظرون فرصة الإفصاح، تكونوا ونضجوا بعيداً عن الصراخ الأيديولوجي وما كان من طينته. وقد يكون هؤلاء، على مثال الروّاد اللبنانيين، إرهاصاً بمجتمعات جديدة، يقعون، بمعنى من المعاني، دون السياسة المباشرة أو بالأحرى فوقها، يتقدمون ويفرضون على "المجتمع السياسي" اللحاق بهم، فلا هم طُلاب سلطة ولا هم بديل للمعارضة، بل هم ضرب من قدوة ومن مرتبة احتكام، تراقب تلك وتزجرها إن دعت الحاجة وترشّد هذه.
ثم أن أكبر إنجاز اجترحه المتظاهرون اللبنانيون أنهم أشعروا الديمقراطيين في المنطقة العربية، إن وُجدوا، أن لهم جمهوراً... وذلك للمرة الأولى.
23:41 Permalink | Email this


