« جريمة اغتيال رفيق الحريري | HomePage | ليسوا جماهير، بل "قوة هادئة" »

05/03/2005

العلاقات الأوروبية الأميركية

صالح بشير الحياة 2005/02/27

كما تنفرد الإمبراطورية باجتراح الحدث العالمي، تحتكر أيضا تأويله. وذلك من عناصر القوة، بل من أجلى تلك العناصر.

وعملاً بـ«المبدأ» هذا، جاء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى القارة القديمة ليجني، على هيئةِ انصياعٍ أوروبي، ثمار ما اعتبره نجاحات حققتها سياساته في العراق وفي فلسطين وفي سواهما، من ظفره برأس النظام العراقي السابق، وهذا نجاح لا يجادله فيه أحد ناهيك عن أنه كان يسيرا في المتناول من الناحية العسكرية، إلى الانتخابات العراقية التي أفلح في إجرائها وحظيت بإقبال شعبي لافت، إلى انتخاب محمود عباس خلفا لياسر عرفات الذي «عزلته» الولايات المتحدة حتى جاءت وفاته نهايةً لنهجه، أو ذلك ما ترجوه واشنطن وتل أبيب.

بطبيعة الحال، لو كان تقويم تلك «النجاحات» مجرد مسألةِ رأي ونظر، لأمكن الاستدراك أو الاعتراض، كالقول مثلا إن إجراء الانتخابات العراقية أمر جيد في ذاته ومن حيث المبدأ، ولكن لا يبدو أن الانتخابات تلك قد قرّبت بلاد الرافدين من الاستقرار ومن لمّ شتاتها الطائفي والعرقي. بل إن المراقب لا يلحظ آليات وُضعت وسياسات صيغت لدرء أخطار ذلك التمزق الماثل احتمالا قويا وملحّاً. أو كالقول مثلاً إن انتخاب محمود عباس، إذ يأخذ علما بمستجدات العالم وتوزع النفوذ فيه ويجنح نحو الممكن والمتاح، يمثل نضجاً فلسطينيا، لولا أن القول بذلك، يذهل عن أن العراقيل أمام التسوية كانت حتى الآن إسرائيلية أكثر منها فلسطينية، خصوصاً في عهد الرئيس الحالي لحكومة الدولة العبرية، أرييل شارون، صاحب شعار «استكمال حرب التحرير الإسرائيلية»، تلك التي يراها أُجهضت في 1948 قبل أن تبلغ أهدافها. وهو ما لم تبدِ واشنطن حياله سوى التواطؤ.

غير أن الدول لا تقرأ الأمور، نجاحا أو فشلا، كما يقرأها المعلقون، بل تراها بعين ميزان القوة. وهذا يفيد بأن مغامرة واشنطن في العراق لم تضعفها، كما كان يُرجى ويؤمّل، ولم تثر في وجهها من المصاعب ما لا قبل لها بتجاوزه. بل ان القوّة العظمى الوحيدة، بالرغم مما تواجهه من مشاكل أمنية، لم تفقد زمام المبادرة في بلاد الرافدين، وفي المنطقة، بل ازدادت بها إمساكا، بسبب الوهن العربي أو لأن خصومها من طينة الزرقاوي إرهابا، أو على شاكلة قادة السنّة العراقيين قصورا سياسيا، وأن في ذلك ما يفيد نجاحها.

غير أن ذلك، على أهميته، قد لا يكون الأفعل في تغيير موقف بلدان القارة القديمة، أو بعضها الذي أبدى تمردا شأن فرنسا وألمانيا، ودفع بها إلى الانضواء مجددا، وإن مع بعض تحفظات قد لا تعدو أن تكون لفظية، تحت مظلة ما انفردت الولايات المتحدة بإتيانه. بل يبدو أن العامل الحاسم في ذلك الصدد كان الانتخابات الأميركية الأخيرة، تلك التي فاز فيها جورج بوش بأغلبية مريحة. وفي هذا ما يلخص على النحو الأجلى والأوضح حال ميزان القوة بين ضفتي المحيط الأطلسي. إذ أن القارة الأوروبية، شأنها في ذلك شأن كل ضعفاء العالم، لم تكن تراهن إلا على الناخب الأميركي، عساه يغير الأمور نحو الوجهة التي تأملها، استراتيجيةً وحيدة لا استراتيجية سواها، لا على قوة ذاتية توازن بها، وإن بمقدار، تلك الأميركية.

لذلك، وبما أنه لا بد من معايشة جورج بوش ومحافظيه الجدد والقدامى لأربع سنوات مقبلة، توجب الانتقال من الاعتراض العقيم (من حيث النتائج وبقطع النظر عن نصاعته «المبدئية») إلى ضرب من ضروب الشراكة، وإن موقع الدونية. لنقل إذن إن الأزمة بين أوروبا، أو بعض أوروبا، وبين الولايات المتحدة، انتهت بانتصار هذه الأخيرة... حتى راحت الأولى تبحث عن عناصر تمايزها عن الإمبراطورية، إذ لا بد من بعض تمايز يوهم بالاستقلالية، في الصين، أو بشأن الصين: بيع الأسلحة لـ«إمبراطورية الوسط» كما تريد فرنسا ومن يشايعها في القارة القديمة، أو الامتناع عن ذلك كما تريد إدارة بوش. والخلاف ذاك يكاد يكون نظريا أو «أكاديمياً»، أو على الأقل لا يُتوقع منه أن يكون منطلقا لأزمة جديدة بين الطرفين.

أوروبا عادت إذن إلى التسليم بالأرجحية الأميركية، وطوت عمليّاً مطلب «التعددية القطبية» وإن استمر المطلب ذاك خطاباً، لا يكلف صاحبه سوى عناء التفوه به. وهي لذلك قدمت لجورج بوش، أثناء زيارته الأخيرة، كل ما طلبه تقريبا، من مؤتمر أميركي-أوروبي حول العراق، هاجسه مالي على الأرجح في المقام الأول، إلى موافقة بلدان شمالي الأطلسي على المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية...

صحيح أن الرئيس الأميركي بذل في المقابل أشياء. فقد مكّن أوروبا، ممثلة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، من الاستمرار في مساعيها لحل مشكلة السلاح النووي الإيراني، وأعلن أنه لا ينوي القيام بعمل عسكري ضد طهران، وإن سارع مستدركا بأنه «لا يستبعد أي خيار»، كما أبدى حرصه على العمل على حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وعلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، أي متصلة الأجزاء، ولكن ليس في كل ذلك ما من شأنه أن يطمئن إلى أن الولايات المتحدة تركت سبيل الانفراد والأحادية وعادت إلى جادة التشاور والاستئناس بالاجماع الدولي. ولا يضير بوش في شيء ترك أوروبا تحاول مع إيران، فإن نجحت، كفته مؤونة الحرب وإن أخفقت برهنت على صواب تشدده. أما في ما يخص الدولة الفلسطينية، فالأمر لا يعدو أن يكون تصريحات صحافية، أملتها المناسبة، أو تحوم حولها تلك الشبهة، ما لم تُصَغْ في سياسة تسوية واضحة ومحددة تبادر بها الولايات المتحدة. وهذا ناهيك عن أن التصريحات تلك تبقى، على أية حال، أقل إلزاما من وثيقة مثل «وعد بوش» الشهير، وفي حال التناقض بين تلك التصريحات وهذا «الوعد»، تكون الأرجحية لهذا الأخير.

لكل ذلك، فإن جولة بوش الأخيرة في أوروبا لا تعني، لزاماً، أن القوة العظمى الوحيدة تخلت عن الانفرادية، فدون ذلك الإيديولوجيا التي يأخذ بها أقطاب الإدارة الحالية، ودون ذلك ميزان القوة أيضا. غير أن الولايات المتحدة لا تعشق الانفرادية لذاتها، بل تحتفظ لنفسها بحق اللجوء إليها، متى ما تعذر الإجماع حول ما تريد. والحال أن الإجماع قائم حاليا حول ما تعتبره الولايات المتحدة المهمة الملحة، تلك المتمثلة في مواجهة سورية وإخراجها من لبنان، وهو إجماع ليس ما يدعوها إلى إفساده، خصوصا وأن المهمة تلك محترمة ومشروعة، أكثر من سابقتها العراقية على أية حال، يسندها قرار دولي، هو القرار 1559، كما باتت، في أعقاب زيارة بوش الأخيرة، مطلبا يتبناه الاتحاد الأوروبي برمته وبصفته الجماعية هذه. وهو، فوق ذلك، يستند إلى توق شعبي لبناني حقيقي، عبر عن نفسه بوضوح إثر جريمة اغتيال رفيق الحريري، لا يكاد يشذ عنه إلا من ربطته بسورية آصرة من مصلحة أو من إيديولوجيا.

وفي ذلك ما يمثل إنذارا بليغا لمن يهمه الأمر، سواء استمر الإجماع الدولي حول الموضوع اللبناني أو آبت الولايات المتحدة، في معالجته إلى انفراديتها الأثيرة.

(كاتب تونسي)

12:01 Permalink | Email this