« 2005-01 | HomePage | 2005-03 »

26/02/2005

جريمة اغتيال رفيق الحريري

صالح بشير الحياة 2005/02/20

يكاد الضلوع السوري المباشر من عدمه، في جريمة اغتيال رفيق الحريري، يصبح أمراً نافلاً وتفصيلاً هامشياً. فثمة فارق بين المسؤول «المادي» أو «الأداتي» عن تلك الجريمة، وهذا قد يكون أبو عدس أو فئة ما، داخلية أو خارجية، أو، لنفترضْ، جهازاً آبقاً من أجهزة السلطة اللبنانية أو سلطة «الوصاية»، تصرف على نحو انفرادي، وبين المسؤول المعنوي، السياسي، أي بتعبير آخر الحقيقي. وهذا لا يرقى الشك إلى هويته في نظر الكثرة من اللبنانيين (ناهيك عن العالم الخارجي)، إن اعتبرنا جنازة الرئيس المغدور، وما تخللها من شعارات وما حف بها من إجماع وطني حوّل «أغلبية» السلطة إلى «أقلية» منبوذة، ضربا من استفتاء حيّ في ذلك الصدد.

وبديهي أن «اليقين» الأخير هذا هو الذي يحظى بالرجحان في أذهان الناس، وهو الفاعل أو الذي سيكون فاعلا، سواء أسعفته الوقائع (على ما يرجح البعض) أم لم تسعفه (على ما هو مستبعد أو يكاد يكون من قبيل الافتراض النظري). لا جدوى إذن، والحالة هذه، من إيراد الحجج، على ما فعل البعض، لصرف الريبة نحو جهاز الموساد أو سواه، أو من تقويم المسؤولية على تلك الجريمة بمنطق الربح والخسارة، واستبعاد الضلوع فيها أو افتراضه على ذلك الأساس. هذا مع العلم أن المنطق ذاك قليل الانطباق على سلطاتنا العربية أو جلها، خصوصا تلك الإيديولوجية منها. إذ أن لهذه الأخيرة طريقتها في تقدير ربحها وخسارتها التي لا ينفذ إليها عقل سويّ أو عاديّ. ولعل في سلوك صدام حسين، وسعيه المحموم نحو حتفه بظلفه، ما يقدم المثال الناجز على ذلك، نموذجاً في ذلك الصددِ «أرقى»، له في بلاد العرب، أنظمةً وحركات نضال أو «جهاد»، صيغ ومدارس شتى…

هي ثقافة بأسرها، راسخة مكينة، ترى السياسة عنفا محضا وتآمرا صرفا. سياسة كانيبالية آكلة للحوم البشر، لا تميز بين ما يندرج في باب التحولات السياسية أو التاريخية الكبرى وبين ما ينضوي في مضمار عاديّات الصراع السياسي ومجرياته اليومية. تعتبر كل ما يجدّ، وكان مناهضا أو لا يروق، مجرد عنف أو تآمر، يواجَه بالعنف وبالتآمر. والثقافة تلك، وقد كانت طريقة «القوة الوصية» في التدخل في الشأن اللبناني وفي إدارته طيلة عقود، هي التي اعتبرها اللبنانيون مسؤولة عن جريمة اغتيال رفيق الحريري، سواء كانت تلك المسؤولية مباشرة ومادية أم لا، وهو ما استوى «قناعةً» راسخة لدى الكثرة، رأيا عاما، لا ينحصر في طائفة دون سواها، ومؤسسات سياسية أو روحية، وتحولت بفعل جرأة الجهر بها إلى قوة سياسية موضوعية، أي يُتوقع لها أن تكون وازنة في اجتراح مستقبل لبنان. هذا إن صدقنا ما رأت أعيننا يوم جنازة الفقيد، الذي اكتسب باستشهاده رمزية وطنية إجماعية ربما لم تكن من نصيبه عندما كان على قيد الحياة، بالرغم من دوره البارز في صياغة نصاب ما بعد الحرب الأهلية، وبالرغم من أنه كان واحدا من قلة ضئيلة من الساسة اللبنانيين من مجايليه ومعاصريه، أكبر من أن تحتويه محليّة ضيقة خانقة.

قيل بأن رفيق الحريري اغتيل بالرغم من اعتداله. أبقى معارضته «تحت سقف الطائف»، كما صرح عشية الغدر به، ولم يقطع مع «الموالاة»، وانتدب نفسه جسرا بين مختلف الفئات اللبنانية، على ما قال السيد حسين نصر الله مؤبِّنا. غير أن ما حدسه اللبنانيون أن الرئيس الحريري إنما اغتيل تحديدا بسبب اعتداله ذاك لا بالرغم منه، أي بوصف دوره ذاك من مقوّمات الإجماع اللبناني المنشود، سبيلا لتذليل نوازع الاقتتال الأهلي ومخاطره، وتاليا لحرمان الوجود السوري من مسوّغاته الأمنية و«الوظيفية».

لذلك، ربما بلغت تلك الجريمة بتحول داخلي لبناني كان يعتمل عميقا خلال الفترة الأخيرة، نقطة اللاعودة. وهو التحول الذي لم تحسن «الموالاة» تقديره على ما يبدو، أو أن هناك من اعتقد بإمكانية إجهاضه من خلال استعادة ما جُرّب وصح حتى الآن، أي الاغتيال السياسي. إذ لا شك في أن «الموالاة» أخطأت في أمر أساسي، إذ تصورت أن النصاب القائم، إنما يستند حصرا إلى الوجود العسكري السوري وسطوة الأجهزة الأمنية، ولم تنتبه إلى أن بعض مقوماته الأساسية والحاسمة إنما تمثل أيضا في رضا بعض الطوائف الأساسية (بقطع النظر عن شكل ذلك الرضا ودوافعه)، وأن بين هذه الأخيرة من سحب دعمه وانتقل إلى صف المعارضة، صريحة كانت تلك المعارضة أم متحفظة، لاعتقاده بتوفر فرصة لاستعادة تفاهم لبناني-لبناني يغني عن الوجود السوري.

والتحول ذاك ليس بالأمر المستجد، ولا بالأمر الهيّـن الذي يمكن لفعل عنف، حتى إن كان بحجم اغتيال رفيق الحريري، أن يُثني عنه وأن يجهضه. وهو بالتالي قد لا يُعزى فقط إلى الأوضاع الدولية المستجدة، منذ انتخاب جورج بوش وانصرافه إلى «إصلاح الشرق الأوسط».

صحيح أن السياسة، وخصوصا تلك اللبنانية، ليست من العلوم الصحيحة، وأن كل مهتمٍّ يتدبر طريقته الخاصة في استكناه أمور وضع من الأوضاع. أما كاتب هذه الأسطر، مع تواضع معرفته بالشأن اللبناني، فكثيرا ما يسترشد بموقف الطائفة الدرزية وقادتها، لفهم تطورات ذلك البلد. فالطائفة المذكورة هي الوحيدة، بين الطوائف المركزية والمؤسّسة للكيان، التي تمثل أقلية حقيقية، أي أنها الوحيدة التي لا يشوش نظرتها إلى الأمور أو تقديرها لحجمها ولدورها، انتماء إلى أغلبية ما تقع خارج الحدود، مصدرا لقوة قد تكون في الغالب متوهّمة، تُستقى من إيران أو من المحيط السني العربي أو من الغرب «المسيحي». وهي لذلك قد تكون الأكثر تميزاً، في سلوكها السياسي، بغريزة البقاء والأقل إقبالا على المغامرة، لأنها الأكثر استشعارا لموازين القوة وما يمكن أن يُستخلص منها. ومن زاوية النظر هذه، ربما كان انتقال وليد جنبلاط إلى موقع المعارضة والجهر بها على نحو ما فعل، بعض أجلى الأدلة على أن تحولا عميقا بصدد الاعتمال في بنية الاجتماع السياسي اللبناني، وفي العلاقة مع سورية. وهو ما تأكد من خلال انتقال الفقيد الحريري إلى ضرب من «المعارضة البناءة»... أما المعارضة المسيحية فهي تحصيل حاصل.

وبديهي ان تحولا كهذا، خصوصا إذ ما استقوى بتوجه دولي كذلك الذي نعلم، يعسر أن يجهضه فعل عنف كالمتمثل في الغدر برفيق الحريري. بل ان الفعل ذاك قد يؤججه وقد يُرسّخه، على ما دلت ردود الفعل، خصوصا أثناء جنازة الفقيد. فهل أننا نشهد انبعاث الوطنية اللبنانية؟

إذا صح ذلك، فإنه يؤكد شيئا ويعدُ بشيء. يؤكد بأن الوطنيات أو الكيانات الوطنية في المشرق لم تُجترح من مقارعة الاستعمار، بل أنها تُستخلص استخلاصاً، بعسر ومشقة، عبر مواجهة الأشقاء، على ما دلت، وإن في سياق آخر، تجربة الفلسطينيين، والحروب «الأخوية» التي كابدوها أو بادروا إلى خوضها في بلدان الطوق. كما أنه قد يعد، من ناحية أخرى، بسير لبنان نحو مصير غير ذلك الذي تبدو المنطقة آيلة إليه، أي نحو استعادة تعايش طائفي محتمل، عوض الإيغال في التفكك الأهلي.

يكون من المبكر، أو من التسرع، الجزم في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن ما لا شك فيه أن التطورات اللبنانية الأخيرة قد تضع المنطقة أمام فرضيات واحتمالات مستجدّة تمام الجدّة…

جورج بوش قارئا...

المستقبل - الاحد 13 شباط 2005 - العدد 1833 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير


الرئيس جورج بوش يقرأ!
خبر قد يُسعد أمه وأباه ومحبيه والمعجبين به ممن يتخوّفون من أن يكون رئيس الدولة العظمى الوحيدة شبيهاً بصورته الكاريكاتيرية، كما رسمها له خصومه، من أمثال مايكل مور (في فيلمه الذائع الصيت والمدقع فنياً رغم حصوله على سعفة مهرجان "كان")، وكما رسمها هو لنفسه، وهو الذي دأب على الوقوف خطيباً عييّاً، متلعثماً، يسيء إلى من يقوم مقام سيبويه لدى الناطقين بالانكليزية، تخرج اللغة من شفتيه حطاماً فيضحك سامعيه ما إن يرتجل.
إلا أن الخبر ذاك، وهو بطبيعة الحال حمال أوجه ككل شأن في دنيانا هذه، قد يقلق، من ناحية أخرى، وقد يخيف، إذ ما الذي يمكن أن يقرأه رجل مثل نزيل البيت الأبيض الحالي؟ وهل أن قراءاته كسياساته، بؤساً وعدوانية، تتغذى من هذه الأخيرة وتغذيها؟ المسألة ليست ثانوية إذن!
ومع أنها ليست ثانوية، إلا أن الاعلام، ووسائله الكثيرة في هذا الزمن، قصّرت في شأنها وتقاعست، فلم تخبرنا بالأمر إلا عرضاً، أو من باب الصدفة وفي ثنايا الإنباء عن أحداث أخرى اعتبرتها أجدر وأهم، فتنكرت تلك الوسائل بذلك إلى مبدأ "الخبر" وتعريفه الأول أو الأولي، كما يلقن طلبة الاعلام منذ سنيهم الأولى في الدراسة، من تعلق "الإخبار" بما كان من الأحداث استثنائياً غير مألوف، يشذ عن سياق مفترض أو ينتقل به من طور إلى طور، ويساق لهم ذلك المثال الشهير من أن "كلباً يعض رجلاً" ليس بالحدث الذي يستثير همّة المراسلين، إذ هو من مبتذل الأشياء، في حين أن "رجلاً يعض كلباً" خبر يستحق أن يذاع فوراً... وبديهي أن "جورج بوش قارئاً" هو، لعمري، من قبيل "الرجل الذي يعض كلباً" ومن طرازه، وكان يستوجب التنويه.
ولكن لنوقف عند هذا الحد تقريعنا لوسائل الاعلام على تقصيرها الفاضح هذا، لنتوقف عند محتوى الخبر، وهذا يفيد بأن الرئيس الأميركي، وإن لم يكن بالقارئ النهم، إلا أنه قارئ مواظب، يزدرد عشرين إلى ثلاثين صفحة يومياً، قبل النوم أو أثناء رحلاته على متن طائرته الرئاسية "آير فورس وان"، وأن مجال اهتمامه واسع، ثابته ديني يتمثل في الكتاب المقدّس وفي كتابات قس بروتستانتي سكوتلاندي، يعود إلى قرن مضى ويدعى أوزوالد شامبرس، يزعم بوش أنه "أحد أهم المفكرين المسيحيين"، وبعضه الآخر انتقائي، خصوصاً في الأدب، إذ فرغ الرئيس الأميركي لتوّه من قراءة رواية لتوم وولف، بعنوان "أنا شارلوت سيمونس"، تروي قصة فتاة أقبلت على اللذة والمجون بأنواعهما بعد التحاقها بالجامعة، على نحو يذكر كثيراً بسيرة جورج بوش في شبابه، قبل أن "يولد من جديد" مسيحياً أصولياً.
وهذا الإقبال على القراءة، حتى في هذه الحدود، تطوّر مدهش بالنسبة إلى رجل لم يكن يعرف من الشخصيات التي أثرت في التاريخ البشري وفي حياة الجموع، غير رجال مثل جاك دانيالس وجوني وولكر ومن لف لفهما... وإن كنا حائرين في تقويم ذلك التطوّر، لا نعلم إن لم يكن من الأفضل، للولايات المتحدة وللعالم، لو استمرت ثقافة جورج بوش مقتصرة على المذكورين، جاك دانيالس وجوني وولكر؟ سؤال سيبقى مفتوحاً إلى يوم يبعثون، مثله في ذلك مثل كل الأسئلة الكبرى التي شهدها التاريخ، منذ أنف كليوباترا على الأقل.
قل لا علينا من ذلك، فتلك القراءات تدخل في مضمار الذائقة الشخصية أو "القناعات" الخاصة، وقد لا تهمنا، أقله على نحو مباشر... يبلغ القلق أشده عندما نتعرّف على قراءات بوش في مجال "الفكر السياسي" أو ما يقوم مقامه أو يدعيه. وفي هذا الصدد، يبدو أن كتاباً بعينه يأخذ بلب الرئيس الأميركي في هذه الفترة، لا يكف عن الاشادة به، ينصح كل من يلتقيه بقراءته، حتى إنه استقى منه فحوى خطابه الأخير حول الأمة. إنه كتاب "مرافعة عن الديموقراطية" لصاحبه ناثان شارنسكي، وهو منشق سوفياتي سابق ويميني متطرّف اسرائيلي راهن، بعد أن تمتع بـ"حق العودة" وآب إلى "أرض الأجداد" ليتولى المناصب الوزارية وليتشدد في وجه "الدخلاء" من الفلسطينيين. ليس في كتاب الرجل ما يستحق التنويه، ولا هو يمثل فتحاً مبيناً في مجال الفكر السياسي، إن هو إلا استعادة لما أسرف رجالات هذه الادارة في ترديده، حول الديموقراطية وضرورة نشرها في العالم، خصوصاً في أجزائه "الشرق أوسطية الكبرى"، بقوة السلاح طبعاً، سبيلاً لإنهاء الاستبداد واجتثاث الارهاب.
إن كان للكتاب من خصال، حسب فهم بوش للخصال طبعاً، فهي تلك المتمثلة في هوية صاحبه، الذي يحيل من خلال شخصه، على عدائين أساسيين وتكوينيين في نظرة أقطاب هذه الادارة إلى العالم وموقع الولايات فيه، حيال التوتاليتارية السوفياتية البائدة، وحيال الارهاب والاستبداد الاسلاميين الراهنين. وفي سلوك رجال الادارة الحالية، وعلى رأسهم بوش، ما يوحي أحياناً بأنهم يتخذون من "محاربة الارهاب" ما يشبه التعويض عن معركة لم يشاركوا في خوضها، لعامل السن أو لبعدهم عن صدارة المسؤولية آنذاك، ضد "امبراطورية الشر" السوفياتية، كما كان يقول رونالد ريغان، الحائز إعجابهم والذي يتوسلونه مرجعاً. وهكذا، فإن شارنسكي، إن من خلال سيرته وإن من حيث ما ورد في كتابه يمثل تلك الاستمرارية المزعومة أو المرجوة ويسوّغها. هذا ناهيك عن أن كتاب شارنسكي يقدّم تلك الأفكار في صيغة يمكن لجورج بوش فهمها واستيعابها.
فسيد البيت الأبيض أو نزيله، ليس بالقارئ المثقف بل هو قارئ ذرائعي، إن صحت العبارة، لا يأخذ من الكتب إلا ما يلبي حاجة آنية أو ما يستجيب هاجساً عملياً. وهو لو لم يكن رئيساً للولايات المتحدة، لكانت قراءاته مصنفات من قبيل "كيف تصبح مليونيراً؟" أو "كيف تشتري هاتفاً نقالاً؟" أو "كيف تكتب رسائل الحب وطلبات العمل وما إليها" أو "كيف تتعلم الصينية في عشرين يوماً؟"... وبما أن الأقدار أو ثروة العائلة أو جمهور المحافظين الأميركيين، أو كل ذلك مجتمعاً، نصبه على رأس الدولة العظمى الوحيدة في العالم، فإن كتاب شارنسكي يصبح بالنسبة إليه شيئاً من قبيل "كيف تنشر الديموقراطية في العالم؟". وربما أضيف إلى هذا العنوان "...خلال مدة رئاسية واحدة".
غير أن ما قد يكون أكثر دلالة وجدية في الأمر هذا، أن نزلاء البيت الأبيض من البوشيين يجمعون بين ملمحين لم يسبق أن اجتمعا في سواهم: بين ممارسة ذات طبيعة ايديولوجية، إرادوية إلى أبعد الحدود، وبين الافتقار إلى متن ايديولوجي محكم يرجعون إليه. سلوكهم ايديولوجي وفكرهم انتقائي يتميّز بانتهازية "نظرية" لافتة. تقلبوا خلال سنوات حكمهم الأربع الأخيرة، أو لنقل منذ الحادي عشر من أيلول 2001، بين استلهام صمويل هنتنغتون وشطحاته حول "صدام الحضارات"، وبين ادعاء الأخذ بأفكار الفيلسوف ليو شتراوس، على ما يزعم فصيلهم المنتمي إلى تيار "المحافظين الجدد"، هذا ناهيك عن الفيلسوف الألماني كارل شميت، ومؤلفات الكاتب، الألماني بدوره، إرنست يونغر، وسوى ذلك الكثير... حتى كتاب ناثان شارنسكي الأخير. صحيح ان الجامع بين كل تلك المراجع منحى يميني واضح، أقصى في الكثير من الحالات، لكن تلك المراجع، إذ يؤخد بها معاً أو على التوالي، لا تشكل منظومة فكرية متناسقة، كما يفترض في الايديولوجيات "الثقيلة" أن تكون، أو كما يفترض في سلوك من طينة ايديولوجية، كذلك الذي تتوخاه الادارة الأميركية الحالية، أن يتطلبه.
فهل يكون البوشيون قد اجترحوا جديداً: ضرباً من ايديولوجيا تجريبية؟

12/02/2005

في مفهوم الأغلبية والأقليّة

صالح بشير

المستقبل - الاحد 6 شباط 2005 - العدد 1826 - نوافذ - صفحة 10

غداة الانتخابات العراقية الأخيرة كانت كبارحتها. خاضتها بلاد الرافدين ممزقة، شيعاً وأحزاباً، وخرجت منها ممزقة، أو أن تمزقها بات أشد وأنكى. إذ كرس الاقتراع ذاك انقساماً طائفياً وإثنياً كان مُتوجساً فذهب فيه شأوا أبعد، بل ربما مأسسه، في "مجلس وطني"، عتيد وتأسيسي، طالما أنه سيتولى صياغة الدستور الجديد والنهائي. حتى ما قيل عن هزيمة العنف والإرهاب في هذه الانتخابات، إذ أخفق في الحيلولة دون إجرائها، ليس صحيحاً، أو أن صحته نسبية بالغة النسبية، ليس فقط لأن أبا مصعب الزرقاوي، ورهطه من الإرهابيين المحليين أو المستوردين، قد حصدوا من الأرواح ما تيسر في ذلك اليوم، على الرغم من صرامة الإجراءات الأمنية ومن منع السيارات (وهي بعض أكثر أسلحتهم فتكاً) من التجوال، بل لأنه أثنى عن الاقتراع من يهمّه إثناؤهم، أي السنّة، أو ساهم في ذلك إسهاماً كبيراً، فالرجل طائفي هو بدوره، مفرط في طائفيته، وإن أسبغ على "جهاده" لبوساً كونياً، يناصب الشيعة عداء مكيناً، أصلياً جوهرياً، واهي الصلة، أو ذرائعي الصلة، بموقفهم من هذا الاحتلال بعينه أو بسياسة لهم حياله معينة.
هذا هو واقع الحال الذي سيرثه العراقيون حال فراغهم من انتخاباتهم، تصويتاً وإحصاء، وحال انتهاء مهرجان الإشادة باقتراع أسرفت الولايات المتحدة على نحو خاص في الإشادة به، ربما لأن القوة المحتلة ما عادت معنية، في نهاية المطاف، إلا بمجرد إجرائه، في الموعد المحدد له، تعتبره نجاحاً في ذاته، أو لأن القوة العظمى الوحيدة في العالم قد أقبلت على هذه المسألة، كما على كل مسائل العراق وشؤونه منذ قرار غزوه وما أعقبه، بقدر من السذاجة ومن السطحية في التعاطي مع الأمور، تكتفي بظاهرها أو تتصنع ذلك. وصحيح أن في ظاهر الانتخابات العراقية الأخيرة ما يغري بالانخداع وما يُزيّن الخداع.
فقد كان الإقبال كبيراً، فاق التوقعات، بدا شعبياً تلقائياً، واحتفالياً في بعض الحالات، ينم عن إرادة حقيقية، غير مزوّرة، في الاضطلاع بدور فاعل في الشأن العام، وعن تحدّ للعنف والإرهاب صريح وشجاع. كل ذلك صحيح صحة لا يشوبها طعن، كان له وقعه البالغ على الرأي العام العالمي. غير أن هبّة الناخبين تلك تقوم على التباس، قد يكون فادح التبعات على مستقبل العراق، إذ أنها هبّة طوائف وإثنيات (الشيعة والأكراد خصوصاً) لا هبّة مواطنين. أي أنها هبّة ناخبين يسبقون انتماءهم الى مجموعاتهم على الرابطة الوطنية، أو يماهون بين ذاك وهذه ويبتسرون هذه الى ذاك. وذلك ما يصح، طبعاً وبداهة، على المقاطعة السنية، تلك التي خضعت بدورها لذاك المنطق الطائفي نفسه، وإن اتخذت هيئة مواجهة الاحتلال.
وفي حالة كهذه، لا يكون لمفهومي الأغلبية والأقلية دلالة كتلك التي يكتسبانها ضمن نصاب وطني منسجم سُكانياً، أو لا يتسم بانقسامات فئوية حادة وجوهرية، تناقض مبدأ العيش معاً أو تهدده جدياً، وتجعل الكيان يتأرجح بين التماسك القسري أو التفتت. ففي وضع كالوضع العراقي، وربما في سائر المشرق ما بعد العثماني، ليس هناك أكثريات نوعية، لأن العدد يلعب لصالحها، وأقليات من نفس تلك الطينة العددية الصرف لا يُعتدّ بها، هذا فضلاً عن أن صفتيْ الأغلبية والأقلية تكون، في الأنصبة المنسجمة سكانياً، نسبية آنية، لا بد أن يتداركها التداول على السلطة بعد أجل معقول، فيحوّل الأقلية الى أغلبية وهكذا دواليك. أما في الكيانات القائمة على التعددية الإثنية والطائفية، فإن الأكثريات ثابتة والأقليات ثابتة، وكذلك مواقعها في ميزان الغلبة، سواء تمثلت هذه الأخيرة في تسلط أقلية بالعنف والقسر، أو في اطمئنان الأكثرية الى أرجحيتها العددية لتسود وتستبدّ. وما يتوجسه المرء بشأن العراق، هو انتقاله من تلك الصيغة الأولى، التي ظلّت نافذة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الحرب الأميركية الأخيرة الى الاحتمال الثاني.
كل ذلك للقول أن مفهومي الأكثرية والأقلية ليسا عارضين، بمعنى أنهما ليسا مجرد طور في نصاب سياسي تداولي، بل أنهما تأسيسيان في وضع كالوضع العراقي، ولا سبيل، تبعاً لذلك، الى تقويم الانتخابات الأخيرة، باستنطاق النسب المئوية، مشاركة في التصويت أو نتائج، مقياساً حصرياً، بل إن المقياس ذاك يظل، على أهميته القصوى، واحداً من مقاييس عدة. إذ إن نيل الأكثرية العددية لا يحسم الأمر كما في "ديموقراطيات المواطنين"، بل إنه، في حالة كالحالة العراقية أو في الحالات من قبيلها، لا يتعدى الإقرار بأرجحية (وهذه ليست رديف الهيمنة أو هكذا يُفترض) سياسية مشروعة، في إطار ديموقراطية تمثيلية. في الأنصبة الديموقراطية العادية، الأمر بالغ البساطة: الأغلبية تحكم، أما في أنصبة التعدد الإثني والطائفي، من ذلك القبيل التأسيسي الذي سبقت الإشارة إليه، فلا سبيل الى إقامة ديموقراطية تمثيلية، إلا إذا ارتضت الأغلبية التخلي عن بعض أحقيتها في الحكم، وذلك تحديداً، وكما أسلفنا، لأن الأغلبيات في الأنصبة العادية متحولة، وهي في أنصبة التعايش الإثني والطائفي، ثابتة أو طويلة المدى... هذا بطبيعة الحال في صورة توافر الحرص على تماسك الكيان الوطني الجامع، أما إذا ما انتفى مثل ذلك الحرص، فذلك بطبيعة الحال موضوع آخر.
هل يعني ذلك أن الانتخابات العراقية لم تكن ديموقراطية؟ يكون القول بذلك من باب الإجحاف. فالاقتراع ذاك لم يكن عديم الديموقراطية، لا إجرائياً ولا من حيث النتائج. فهو قد تم في إطار من الحرية النسبية (أي تلك المتاحة في ظل الاحتلال، وهذه تبقى أوسع قياساً الى المعدل العربي العام)، حتى إن أسباب عرقلة الانتخابات لم تأت من السلطات، تلك المحتلة أو تلك المحلية، بل من المناهضين للوضع القائم، ولفكرة الانتخابات، أصلاً أو توقيتاً، سواء انتموا الى مقاومة وطنية الآفاق أم الى إرهاب كوني المدى. أما من حيث النتائج، كما توحي بها نِسب الإقبال على التصويت ومجاله الجغرافي والبشري، فإن الانتخابات تلك قد تداركت إجحافاً مديداً، إذا طابقت، لأول مرة في تاريخ العراق الحديث، بين مكانة الطائفة الشيعية كأكثرية عددية وبين حقها المشروع في أن تشكل أغلبية سياسية، بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه.
هل يُستخلص من ذلك أن الانتخابات الأخيرة قمينة باجتراح النصاب الديموقراطي العراقي المنشود أو المُرتجى؟ ذلك ما لا يمكن استنتاجه على نحو آلي، إذ أن من أبرز ما آل إليه الاقتراع الأخير أنه بلور الانقسامات الطائفية على نحو قد يكون غير مسبوق في التاريخ العراقي الحديث. فهو من ناحية كرس الغلبة الشيعية، إذ أقرها أمراً واقعاً، بعد أن كانت افتراضاً، بل هو فعل ما هو أكثر من ذلك، بأن حول الشيعة من مجموعة سكانية، مذهبية أو ثقافية، الى مجموعة سياسية، واعية بهويتها المستجدة تلك، على صعيد قيادتها الدينية والسياسية كما على صعيد جمهورها، كما دلت تعبئة هذا الأخير وإقباله الكثيف على خوض المعترك الانتخابي، كما أن الاقتراع ذاك قد أدى الى استفحال الانكفاء السني، وأدرجه في مؤسسات الدولة المنشودة، بل في لحظة تأسيسها، إذ يتعلق الأمر بما لا يقل عن التخلف عن الانخراط في "المجلس الوطني"، الذي أنيطت به مهمة إعداد الدستور العراقي الجديد.
والمشكلة أن تعاظم الدور الشيعي قد يخيف، إن لم يستوعبه إطار سياسي يحظى بالإجماع، كما أن الانكفاء السني قد يعرقل اجتراح أي نصاب جديد... وتلك مشكلة لم تساعد الانتخابات الأخيرة على تذليلها بل ربما زادتها إعضالاً.

"المقاطعة" وانتخابات الشرق الأوسط..

صالح بشير الحياة 2005/02/6

يبدو أن انتخابات الشرق الأوسط، صغيرا كان هذا الأخير أو «أكبر» بوشيّ المدى، لا يُحسم أمرها، على جاري الاقتراعات التي عهدناها، بين أغلبية حاكمة، محض عددية، وبين معارضة تسعى إلى استبدالها والحلول محلها، بل بين مشارك في الاقتراع وبين مقاطع له منزوٍ عنه.

إن كان من استخلاص أولي، أو من ملمح يمكن تبيّنه من تجربتي الاقتراعين الشرق أوسطيين الأخيرين، ذلك الفلسطيني قبل أسابيع معدودات وذلك العراقي الأحد الماضي، فهو المتمثل في خط الانقسام ذاك، بين من يختارون التصويت وبين من يحجمون عنه، بين من يخوضون غماره وبين من يمتنعون عنه. مآل الانتخابات يُعرف قبل إجرائها، أو من خلال إحصاء نسبة المشاركين فيها على أقصى تقدير، لا لحظة الانتهاء من فرز الأصوات والإعلان عنها. فالعملية الأخيرة هذه، وهي في الانتخابات «العادية»، أي المعهودة في الديموقراطيات «النمطية»، لحظة الذروة والحسم، يعيشها المواطنون على نحو دراماتيكي من خلال التلفزيون. وهي، في الانتخابات الشرق أوسطية، أقله وفق السابقتين اللتين شهدناهما حتى الآن، الفلسطينية ثم العراقية، لا تعدو أن تكون ضرباً من إسباغ قسماتٍ من نسبٍ مئوية، على فوزٍ مُعلن ومعلوم سلفاً.

وهكذا، كان فوز محمود عباس في الرئاسيات الفلسطينية، محسوما وتحصيل حاصل، لأن القوى التي كان يمكنها أن تواجهه باحتمال الخيبة، أي حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي، اختارتا المقاطعة. أما فوز القائمة الشيعية في الانتخابات العراقية الأخيرة، فهو مُفترض متوقع مُنتظر منذ أمد، أو لنقل منذ أن تقرر إجراء انتخابات «حرة» في بلاد الرافدين، بحيث أن ما فاجأ المراقبين هو الإقبال على التصويت وكثافته، وما اتخذه من طابع التحدي للعنف والإرهاب، لا نتائج الاقتراع في ذاتها. وفي هذا الصدد أيضا، يمكن القول إن القائمة الشيعية «مدينة» بفوزها الساحق المبرمجِ ذاك إلى المقاطعة السنّية، إذ لولا هذه المقاطعة لكان الفوز الشيعي ذاك نسبيّا لا مطلقا، مع أنه حاصل لا محالة نظرا لتطابق الناخب العراقي مع انتمائه الطائفي أو الإثني، ولتوزع الأصوات على المجموعات الطائفية والإثنية تبعا لذلك.

صحيح أن المقاطعة ليست بالأمر المستجدّ، أو الذي انفردت الانتخابات الشرق أوسطية باجتراحه، إذ لا تخلو منها انتخابات، سواء كانت المقاطعة تلك فعلا نشيطا مبادِراً، تقدم عليه قوى سياسية ومنظّمة بعينها، ترى أن النصاب الديموقراطي القائم لا يمثلها ولا تريد إسباغ الشرعية عليه بالدخول في «لعبته» الإنتخابية (يقول شعار فرنسي شهير، سجعاً في لغته الأصلية، «الانتخابات فخ الأغبياء»)، أو نجمت تلك المقاطعة عن لا مبالاة الأفراد وسلبيتهم، بفعل هامشيتهم الاجتماعية والسياسية أو انعدام الحس المدني لديهم. لكن المقاطعة في مثل تلك الانتخابات التي وصفناها بالعاديّة، أو الجارية في كنف ما يمكن تسميته بالنماذج الديموقراطية الكلاسيكية، لا تؤثّر البتة، أو لا توثّر إلا على نحو طفيف هامشي، بالغ الهامشية، في مجريات الأمر الانتخابي وفي النتائج، العددية والسياسية، المترتبة عليها. وذلك هو الفارق الأساسي قياسا إلى انتخابات الشرق الأوسط (تكرارا، في حدود ما رأينا حتى الآن): فإذا كان خط الانقسام الحاسم والفاعل في الانتخابات الكلاسيكية هو ذلك القائم بين القوى المتنافسة في خوض الاقتراع، أو بين أغلبية ومعارضة إن شئنا، فإن الانقسام ذاك في الشرق الأوسط، هو ذلك القائم بين مقبل على الانتخابات ومقاطع لها مُحجمٍ عنها.

والأمر هذا بالغ الأهمية بعيد الدلالة من أوجهٍ عدة. أولها انعدام القاعدة الإجماعية، التي تكون إطارا حاضنا للخلافات وللاختلافات. فالمُقاطع، سواء في ذلك حركات الإسلام السياسي الفلسطينية أو سنة العراق، هو من لا يرى لنفسه موقعا في النصاب القائم أو الذي يُراد تأسيسه، وهو بالتالي لا يرى نفسه ملزما مقيدا بخيارات «أغلبياته»، ضمن أفق وطني جامع، في ما يتعلق بأساسيات الكيان، القائم أو المنشود، أي قضايا الحرب والسلام والعلاقة بالعالم الخارجي، خصوصا إذا ما تمثل ذلك العالم الخارجي في القوة المحتلة (الإسرائيلية في فلسطين والأميركية في العراق)، مع مضيّ كل طرف محلي في سياساته الخاصة حول مثل تلك القضايا الجوهرية، والتي قد تكون مناقضة تماماً لسياسات الأطراف الأخرى. وهكذا، كما ينعدم الاجماع بين الفلسطينيين، حول سبل التعاطي مع عدوهم الإسرائيلي، وبالتالي حول طبيعة دولتهم المرتجاة، بين ساعٍ إلى تسوية، بل يرى بلوغها بالوسائل السلمية والتفاوضية، وبين من يستبعدها تماما، ينعدم كذلك الاجماع بين العراقيين حول الاحتلال الأميركي، تقويما ومواجهة، حول سبل إنهائه، حول تقدير المكاسب والخسائر من مجيئه أو من زواله. وما دامت تلك الخلافات الجوهرية يتم التعبير عنها من خلال الإقبال على التصويت أو الامتناع عنه، فإن الانتخابات لا تحسم بشأنها أمرا، بل تصلّبها، وتمعن في بلورتها، وتجعل الكيان أو الوطن يتوزع على سياسات، بقدر ما فيه من قوى أو من تكتلات قوى. فلا فوز محمود عباس يقرّ سياسة التسوية التفاوضية، خيار إجماعيا فلسطينيا أوحد، وإن اختُلف في تفاصيله، ولا الانتصار الشيعي-الكردي في انتخابات الأحد الماضي، يشكل تحولا جديا في حل المعضلة العراقية، إن في ما يتعلق بالاحتلال وإنهائه، وإن في ما يخص النصاب السياسي الجديد الذي يُراد اجتراحه.

بل أن الأمر هذا ربما أنذر بما هو أنكى: بانفصام الكيانات إلى «مجتمعات» متوازية، ضمُرت أواصر الترابط بينها أو هي بصدد الضمور، وطفقت "تتطور" في اتجاهات شتى، متنافرة لا يجمعها جامع. بعضها ساع إلى الاندراج في العالم، كما هو اليوم، فيتبنّى الانتخابات والإقبال على المشاركة فيها، بوصفها مفردات الاندراج ذاك، حتى وإن لم يكن، في العمق، ديموقراطيا حقا أو أكثر ديموقراطية من سواه، والبعض الآخر أعلن القطيعة والانكفاء، وبلغ في ذلك مبلغا بعيدا، فأقام ميكرو-كيانات، خاضعة لآليات ولممارسات ولقيمٍ خاصة بها، تنزّل خصوصيتها تلك منزلة الأقنوم، وتجعل من مقاطعة الانتخابات أجلى وأعلى آيات انقطاعها ذاك.

لكل هذه الأسباب، وسواها مما يطول الخوض فيه، يجب أو تؤخذ مسألة مقاطعة الانتخابات على محمل الجدّ، وإلا تحول الاقتراع إلى عنصر يغذي النزاعات الأهلية، ما كان منها كامنا أو مفتوحا، وأدركته انقسامات الشرق الأوسط فطوّعته واستوعبته، عوض أن يكون أداة لتجاوزها ولتذليلها...

05/02/2005

الانتخابت وطوائف الشرق الأوسط

صالح بشير

المستقبل - الاحد 30 كانون الثاني 2005 - العدد 1819 - نوافذ - صفحة 9



هل يكون مآل "الديموقراطية" و"الانتخابات"، وفق صيغها المستجدة، أي المشروطة بالاحتلال أو الجارية في كنفه وتحت سقفه، شأن تلك التي تخاض اليوم في العراق وتلك التي خيضت في فلسطين قبل أسابيع قليلة، كمآل "الدولة" و"الحزب" و"النقابة"، وسواها من مؤسسات الحداثة وأدواتها الاجرائية ومثلها و"فلسفاتها" وممارستها ومفرداتها، "تبنتها" هذه المنطقة، طوعاً أو قسراً، فطوّعتها وأدرجتها في أنصبتها الثابتة والمقيمة عوض أن تندرج فيها؟
إذ ليس أبعد من الدولة الشرق أوسطية الراهنة (وربما العالمثالثية عموماً) عن أنموذجها الغربي والحديث المفترض. هذه تنزع، أقله نظرياً وكأفق منشود، نحو التعبير عن إرادة جماعية، هي إرادة "الأمة"، حتى تماهت مع هذه الأخيرة دولة ـ أمة، وإلى تجسيدها، وتلك تنبع من انقسامات ومن تصدعات أصلية وتقليدية، تستقي منها سلطانها وتعمل على تأييدها. تلك قوامها المواطن الفرد، كائناً حقوقياً، وإن انخرط من قبيل "أنثروبولوجي"، أي ما قبل قانوني، وفق المعنى الذي يمحضه العصرُ القانونَ، دلالة وفعلاً. تلك دولة بالمعنى الأشمل (لا الشمولي طبعاً أو ضرورة)، في وظائفها وفي حضورها، في حقوقها وفي واجباتها، وهذه محض سلطة لم تكد تأخذ من الدولة الحديثة إلا أدوات وأنظمة القسر، وهي كثيرة هائلة، لم يسبق أن حازت عليها سلطة في ماضي التاريخ.
الأنموذجان يتساويان في التسمية، بل وفي نظر القانون الدولي (أقله قبل أن تنطلق إدارة الرئيس بوش في العبث بهذا الأخير). يتمثلان في المحافل الدولية على قدم المساواة. يوقعان العهود والمواثيق استناداً إلى نفس المعايير القانونية الدولية التي أرساها أو فرضها، كونياً، الأنموذج الغالب. يتماثلان في مظاهر شكلية، وأساسية، كثيرة، ولكنهما يفترقان افتراقاً جلياً مبرماً من حيث الجوهر، حتى إنه يمكن القول ان "السلطة" الشرق أوسطية، تمثل، في العمق، انتصاراً على أنموذج الدولة الحديثة، لا انتصاراً لهذا الأخير. جاء ليغيّرها فغيّرته أو انحرفت به عن مساره وعن طبيعته الأصلية أو تلك التي يدعيها أصلية. لم تأخذ منه إلا ما ينفعها أو ما يدعم سلطانها: اقتبست منه إمكاناته القسرية الهائلة، دون حدودها القانونية، واتخذته قناعاً، يتستر على أصلها التقليدي المغرق في التقليدية، أو "المتخلف"، إن أردنا الجنوح إلى أحكام القيمة، ليبرز من الحداثة وجهها ومظهرها وسماتها الخارجية والنافلة. فالسلطة الشرق أوسطية آخذة بضرب من الانفصامية الناجزة، بين جوهرها التقليدي ومظهرها الحديث، تلك التي ربما مثلت سلطة العائلة ـ العشيرة في عراق صدام حسين بعض أوضح تجلياتها، ولكن الانفصامية تلك فاعلة ناجعة، في ما يعنيها ويمثل علة وجودها. فـ"الدول" الشرق أوسطية قد تكون فشلت ذريع الفشل في ما يفترض أنه من مهام الدول، توحيد الأوطان واتساقها حولها، وتوفير شروط التنمية وما إلى ذلك، ولكنها لم تخفق في الأساسي (بالنسبة إليها)، أي البقاء والاستمرار كسلطة، وأبدت في ذلك مرونة مدهشة تحسد عليها، جنّدت في سبيل تحقيقه، على نحو ذرائعي سينيكي صرف وبانتقائية بالغة، كل ما يمكن تجنيده، "الأصالة" و"المعاصرة"، أكثر الايديولوجيات ثورية وراديكالية وأكثر الدعوات انكفاء على الأصيل والموروث، أكثر المؤسسات حداثة وأكثرها تقليدية. وفي هذا الصدد أيضاً، شكل نظام صدام حسين بعض أبرز الأمثلة على ذلك الضرب من النجاح، وهو الذي استمر بالرغم من كل ما اقترف، وبالرغم من عاهاته التي لا تحصى، وبالرغم من استعدائه فئات واسعة من الشعب العراقي، وبالرغم من الحصار الدولي، حتى ارتأت الدولة العظمى الوحيدة في العالم أن تنزع عن العراق حصانته كدولة، لتجتث دكتاتوره اجتثاثاً عنيفاً منافياً للقوانين الدولية.
وما يصح على الدولة الشرق أوسطية يصح على سائر المؤسسات "الحديثة" الأخرى، من أحزاب ونقابات وما إليها. سوسيولوجيا مثل تلك المؤسسات معلومة، إن لم يكن بدقة ففي خطوطها العريضة، كثيراً ما توقف عندها المعلقون والمحللون والدارسون، إشارة أو سبراً أو محاولة سبر. فهي غالباً ما "تخفي" (ولكنه إخفاء كالإفصاح) خلف "خطاب" مداه الطبقة أو الوطن أو الأمة (عربية كانت أم إسلامية أم سورية أم سوى ذلك) بل الانسانية، هواجس ومطامح وحسابات فئوية، بأكثر المعاني تقليدية، أي مقاسها المجموعة الطائفية أو الاثنية، أو ما إليها من تجمعات الانتظام والانتماء ما قبل الحديثة.
هل يعني كل ذلك أن المجتمعات مهد تلك الفئات و"المؤسسات"، راكدة آسنة ثابتة في الزمن؟ يكون القول بذلك مجانباً للصواب. إذ تفيد التجربة والملاحظة، أقله على نحو أولي وقبل أن تشفعه الدراسة المتأنية والنافذة، أن ليس أكثر حركية من تلك المجتمعات. فهي في حالة صراع وتحوّل مستمرين. ولكن وفق منطق خاص وربما كان فريداً. فالصراعات تلك تجري بين المجموعات الطائفية أو الاثنية القائمة، أو تجري داخلها وفي صلبها، وقد تفضي إلى انقلابات من طبيعة "ثورية"، بمعنى أنها قد تفضي إلى تجاوز وإلى إعادة صياغة موازين قوة وغلبة عمّرت قروناً، حتى باتت تبدو بمثابة النصاب الأبدي. لكن المفارقة أن تلك التحوّلات، على دراماتيكيتها في بعض الحالات، لا تطال البنية العامة، أي إطار ذلك التعايش ـ النزاعي بين مختلف تلك الجماعات، ممثلاً في زمننا هذا في الوطن أو الدولة المتسحدثتين بعد الاستقلال. فالصراع يجري باسم الفئة، التي تظل مداه وأفقه ومفردته الأساسية، بيئتها وإطارها ذلك الوطن وتلك الدولة. هناك انتماء أصلي، هو ذلك الفئوي، ليست الدولة أو الوطن غير مجال التعبير عنه أو الذود عنه أو إنقاذه غلبة أو سعياً إلى الغلبة.
لعل ذلك هو المعنى الحقيقي لما يسمى "الممانعة الثقافية". هناك المعنى الشائع والمبتذل، والذي يفهم تلك "الممانعة" على أنها الرفض الصاخب والديماغوجي، "للأفكار المستوردة" والفلسفات الوافدة والغربية، على شاكلة ما اعتاده، مثلاً لا حصراً، "مفكرون" (ما أسخى العرب بمثل هذه الألقاب يسبغونها على من لم ينتج يوماً فكرة!) احترفوا هجاء من يصمونهم بـ"مثقفي المارينز"، وهناك المعنى الذي قد يكون أكثر دقة لهذا "المصطلح"، هو ذلك المتمثل في ثبات تلك البنى التقليدية، يجعلها لا تنكفئ إلا على الأصلي والأساسي، أي على بقائها أساساً لمعمار الكيانات، مع قدرتها على استيعاب كل ما يطرأ وما يجد، خطاباً كان أم نظماً ومؤسسات، تقبل عليها وتجنّدها وتمسخها من داخلها، وقد تغتذي بها لتحقيق استمرارها.
والأرجح أن مشروع الدمقرطة الأميركي، والقائم على اعتبار الانتخابات، وإجرائها قسراً وفي ظل الاحتلال ان دعت الحاجة، إكسير تغيير "الشرق الأوسط الكبير"، سيصطدم بدوره بتلك العقبة، ستستوعبه تلك البنى التقليدية، وتتخذه وسيلة لتأييد ذاتها، كما فعلت مع ما سبقها من استراتيجيات "التحديث" الأخرى.
وذلك ما يبدو أن الاقتراع الأميركي الجاري هذا اليوم في العراق بصدد تقديم أوضح الأدلة عليه: اقتراع اتخذ منحى طائفياً أو إثنياً لا لبس فيه، مع أن العراق دائرة انتخابية واحدة، ومع أن النية من تنظيمه كانت التوصل إلى إعادة اجتراح الكيان العراقي، على أساس تعايش طوعي بين مواطنيه المفترضين، بديلاً من تعايش قسري، كانت القبضة العسكرية أداة إنفاذه وسبب وأده في آن.

انتخابات العراق: أي نجاح مأمول؟

صالح بشير الحياة 2005/01/30

مع توجه العراقيين، صبيحة هذا اليوم، إلى صناديق الاقتراع، بوسع الرئيس جورج بوش أن يدّعي نجاحاً: تمكّن من إجراء الانتخابات في موعدها، وهو موعد بلغ مبلغ القداسة حتى بات بمثابة الغرض بذاته، أصرّت عليه الإدارة الأميركية، بالرغم من كثرة المطالبين بالإرجاء وعدم اقتصارهم على من كانوا من طينة أبي مصعب الزرقاوي ورهطه (فهذا لا تعنيه الانتخابات أصلا ويراها «كفرا وإلحاداً»)، أو على بعض الأوساط السنّية التي يساورها الحنين إلى أيام الاستبداد الصدامي.

بوش نجح، إذاً، لكنه قد يكتشف سريعا أن نجاحه ذاك نسبي بالغ النسبية، أو أنه إلى الفشل أقرب، إن لم يكن بالنسبة إليه، كإيديولوجي يرى في الإرادوية آية كل إنجاز ويمحضها في ذلك الصدد مفعولا سحريا، فبالنسبة إلى العراق وربما إلى القوات الأميركية في ذلك البلد. إذ أن الإصرار على الانتخابات وإجرائها على ذلك النحو وفي كنف تلك الظروف العراقية المعلومة والتي تدهورت تدهورا فادحا في الأيام الأخيرة والسابقة على الاقتراع، إنما انفكأ بهذا الأخير أو أنحطّ به من غاية إلى أخرى أدنى أو أكثر تواضعا: من وسيلة أو أداة أو استراتيجية تكون لبنة في إرساء النصاب العراقي المنشود، تؤول به إلى الاستقرار أو إلى عتبته، أو تُرهص بمعماره السياسي المرجوّ، إلى مجرد فعلِ عناد، أُريد منه تسفيه أوساط العنف والإرهاب ودحض ابتزازها وما تأنسه في نفسها من قدرة على الحؤول دون إجراء تلك الانتخابات.

صحيح أن أبا مصعب الزرقاوي، أو كائنا من كان مرتكب العنف في العراق، إرهابا شذّ عن كل مقاومة، ويمعن في الجسد العراقي تمزيقا إذ وضع نصب عينيه استثارة النزاعات الأهلية، قد أخفق في إجهاض الانتخابات، إلا أن ما يُخشى أنه تمكن من «تزويرها»، أي من تعطيل الإرادة الشعبية، وإن جزئيا، بما أثاره من رعب، أهوج أعمى، ومن دمار، ربما أقعدا الكثيرين عن المخاطرة بالخروج من منازلهم، والتوجه إلى صناديق الاقتراع، وعزّزا صفوف المقاطعين اختياراً بجحافل من المقاطعين اضطراراً، وربما أديا بالتالي إلى إفراغ العملية الانتخابية من مضمونها المُفترض... إلا في حالة اعتبار «إجراء الانتخابات بمن حضر»، على ما ذهب إلى القول أحد أقطاب الإدارة الأميركية قبل فترة (عندما ارتفعت أصوات تطالب بتأجيل الاقتراع إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية)، الطريقة المثلى في إسباغ الشرعية على ديموقراطية قيد التأسيس...

والمشكلة أن المقاربة تلك، ربما انحرفت بالعملية الانتخابية، على نحو إرادي أو غير إرادي، لا فارق من حيث النتيجة، عن أهدافها الأساسية، أي عما أريد لها أن تفضي إليه، لتنحو بها منحى التركيز على مجرد إجرائها، علما بأن المقاربة تلك تثقل على كاهل الناخب العراقي بما لا قبل له به وبما لا طاقة له عليه، إذ تطالبه بما يشبه العمل القتالي، ما دام هناك في العراق من يعتبر التصويت فعلا عدائيا، وما دامت الأيام الماضية قد دلت على أنه قادر على الاقتصاص أو على النيل من «مرتكب» تلك «الفعلة»، يفخخ ويقتل حيثما أراد. وفي ذلك ما ينافي بعض أسس الانتخابات الديموقراطية، تلك التي قوامها المواطن العادي، وهذا ليس بالمقاتل ولا بالبطل، ولا يطمح إلى ما هو أكثر من ارتياد صناديق الاقتراع آمناً والعودة إلى بيته مطمئناً، يعبر عن إرادة لا يشوبها أو يزوّرها إكراه، أكان إكراها على التصويت أم إكراها على الإحجام.

لكل ذلك، إن كان من غير المستبعد أن تجري الانتخابات العراقية على نحو سليم وأقرب ما يكون إلى النزاهة، أقله بمقاييس الجوار العربي المباشر والبعيد، فالانتخابات تلك، وبالنظر إلى كل الظروف والعوامل المشار إليها، قد لا تكون فاعلة في إخراج بلاد الرافدين من محنتها، وفي اجتراح النصاب العراقي المنشود. بل قد تزيد في تغذية الضغائن الأهلية، خصوصا بين الشيعة المعتدّين بأكثريتهم العددية، يتلهفون إلى ترجمتها إلى رجحان سياسي، وبين السنة الذين لم يحسنوا التعاطي مع وضعهم الجديد، وسيستشعرون غبنا لا يتوقف عند فقدان السلطة، بل يضعهم كذلك في مواجهة نتائج اقتراع، إن قاطعوه، حُرموا حتى من منزلة المُعارض ليُزَج بهم في موقع الهامشية والانشقاق. سيكون ذلك، إن حصل، نتاج بعض ما جنوه على أنفسهم، أو بعض عجزهم عن تمييز النفس عن التطرف الأهوج، أو نتيجة إرهاب «جهادي» حُسب عليهم أو تعاطفوا معه. لكن كل ذلك لا يبرئ القوة المحتلة، تحديداً لصفتها تلك، أي لأنها القوة التي انتدبت نفسها لتحمّل مسؤولية البلد، ويقع عليها ضرورة وزر أي تقصير أو سوء تقدير أو إخفاق.

ربما كان ذلك من مغبة إجراء الانتخابات تحت الاحتلال، لأن المحتل ليس قوة محايدة، يمثل إرادة متسامية، شأن الأمم المتحدة على سبيل المثال أو ما كان من قبيلها من الهيئات الدولية والإقليمية، بل هو الحاكم والحكم، تربطه بالبلد المحتل أجندة ومصالح وطنية، بمعانٍ ضيقة وخاصة، وله بالقوى القائمة في البلد المحتل علاقات متباينة، تتراوح بين العداء السافر والصريح والتحالف الوثيق، إلى ما بين الحدين ذينك من تلوينات وحالات وسطى.

الموضوع هذا، موضوع سلامة الانتخابات تحت الاحتلال من عدمها، قد أثار جدلا في الآونة الأخيرة، وهو جدل لا بد أن يستمر وأن يتعمق، بين قائل باستحالة مثل تلك الانتخابات وبين زاعم بإمكانها، انطلاقا من موقعين متباينين يقعان على صعيدين مختلفين تماماً: إذ أن منطلقات أصحاب الرأي الأول نظرية أو «مبدئية»، تعتبر أن لا سبيل إلى إرساء حرية الفرد، وهي أساس الانتخابات الديموقراطية، في ظل «استعباد» وطنه، ومنطلقات أصحاب الرأي الثاني براغماتية عملية، ترى في الانتخابات وسيلة ممكنة أو محتملة لاستعادة السيادة الوطنية، أو أنها لا تتناقض مع هذه الأخيرة تناقضا جوهريا، مستندين في ذلك إلى تراث الحركات الوطنية إبان الفترة الاستعمارية.

والجدل هذا، إذ فرضته مجريات الأحداث، قد يكون مآل الانتخابات العراقية الجارية اليوم، أحد أبرز عوامل إثرائه، أو أحد عوامل الحسم بين تلك المقاربة المبدئية ونظيرتها البراغماتية...

All the posts