« في مفهوم الأغلبية والأقليّة | HomePage | جريمة اغتيال رفيق الحريري »

26/02/2005

جورج بوش قارئا...

المستقبل - الاحد 13 شباط 2005 - العدد 1833 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير


الرئيس جورج بوش يقرأ!
خبر قد يُسعد أمه وأباه ومحبيه والمعجبين به ممن يتخوّفون من أن يكون رئيس الدولة العظمى الوحيدة شبيهاً بصورته الكاريكاتيرية، كما رسمها له خصومه، من أمثال مايكل مور (في فيلمه الذائع الصيت والمدقع فنياً رغم حصوله على سعفة مهرجان "كان")، وكما رسمها هو لنفسه، وهو الذي دأب على الوقوف خطيباً عييّاً، متلعثماً، يسيء إلى من يقوم مقام سيبويه لدى الناطقين بالانكليزية، تخرج اللغة من شفتيه حطاماً فيضحك سامعيه ما إن يرتجل.
إلا أن الخبر ذاك، وهو بطبيعة الحال حمال أوجه ككل شأن في دنيانا هذه، قد يقلق، من ناحية أخرى، وقد يخيف، إذ ما الذي يمكن أن يقرأه رجل مثل نزيل البيت الأبيض الحالي؟ وهل أن قراءاته كسياساته، بؤساً وعدوانية، تتغذى من هذه الأخيرة وتغذيها؟ المسألة ليست ثانوية إذن!
ومع أنها ليست ثانوية، إلا أن الاعلام، ووسائله الكثيرة في هذا الزمن، قصّرت في شأنها وتقاعست، فلم تخبرنا بالأمر إلا عرضاً، أو من باب الصدفة وفي ثنايا الإنباء عن أحداث أخرى اعتبرتها أجدر وأهم، فتنكرت تلك الوسائل بذلك إلى مبدأ "الخبر" وتعريفه الأول أو الأولي، كما يلقن طلبة الاعلام منذ سنيهم الأولى في الدراسة، من تعلق "الإخبار" بما كان من الأحداث استثنائياً غير مألوف، يشذ عن سياق مفترض أو ينتقل به من طور إلى طور، ويساق لهم ذلك المثال الشهير من أن "كلباً يعض رجلاً" ليس بالحدث الذي يستثير همّة المراسلين، إذ هو من مبتذل الأشياء، في حين أن "رجلاً يعض كلباً" خبر يستحق أن يذاع فوراً... وبديهي أن "جورج بوش قارئاً" هو، لعمري، من قبيل "الرجل الذي يعض كلباً" ومن طرازه، وكان يستوجب التنويه.
ولكن لنوقف عند هذا الحد تقريعنا لوسائل الاعلام على تقصيرها الفاضح هذا، لنتوقف عند محتوى الخبر، وهذا يفيد بأن الرئيس الأميركي، وإن لم يكن بالقارئ النهم، إلا أنه قارئ مواظب، يزدرد عشرين إلى ثلاثين صفحة يومياً، قبل النوم أو أثناء رحلاته على متن طائرته الرئاسية "آير فورس وان"، وأن مجال اهتمامه واسع، ثابته ديني يتمثل في الكتاب المقدّس وفي كتابات قس بروتستانتي سكوتلاندي، يعود إلى قرن مضى ويدعى أوزوالد شامبرس، يزعم بوش أنه "أحد أهم المفكرين المسيحيين"، وبعضه الآخر انتقائي، خصوصاً في الأدب، إذ فرغ الرئيس الأميركي لتوّه من قراءة رواية لتوم وولف، بعنوان "أنا شارلوت سيمونس"، تروي قصة فتاة أقبلت على اللذة والمجون بأنواعهما بعد التحاقها بالجامعة، على نحو يذكر كثيراً بسيرة جورج بوش في شبابه، قبل أن "يولد من جديد" مسيحياً أصولياً.
وهذا الإقبال على القراءة، حتى في هذه الحدود، تطوّر مدهش بالنسبة إلى رجل لم يكن يعرف من الشخصيات التي أثرت في التاريخ البشري وفي حياة الجموع، غير رجال مثل جاك دانيالس وجوني وولكر ومن لف لفهما... وإن كنا حائرين في تقويم ذلك التطوّر، لا نعلم إن لم يكن من الأفضل، للولايات المتحدة وللعالم، لو استمرت ثقافة جورج بوش مقتصرة على المذكورين، جاك دانيالس وجوني وولكر؟ سؤال سيبقى مفتوحاً إلى يوم يبعثون، مثله في ذلك مثل كل الأسئلة الكبرى التي شهدها التاريخ، منذ أنف كليوباترا على الأقل.
قل لا علينا من ذلك، فتلك القراءات تدخل في مضمار الذائقة الشخصية أو "القناعات" الخاصة، وقد لا تهمنا، أقله على نحو مباشر... يبلغ القلق أشده عندما نتعرّف على قراءات بوش في مجال "الفكر السياسي" أو ما يقوم مقامه أو يدعيه. وفي هذا الصدد، يبدو أن كتاباً بعينه يأخذ بلب الرئيس الأميركي في هذه الفترة، لا يكف عن الاشادة به، ينصح كل من يلتقيه بقراءته، حتى إنه استقى منه فحوى خطابه الأخير حول الأمة. إنه كتاب "مرافعة عن الديموقراطية" لصاحبه ناثان شارنسكي، وهو منشق سوفياتي سابق ويميني متطرّف اسرائيلي راهن، بعد أن تمتع بـ"حق العودة" وآب إلى "أرض الأجداد" ليتولى المناصب الوزارية وليتشدد في وجه "الدخلاء" من الفلسطينيين. ليس في كتاب الرجل ما يستحق التنويه، ولا هو يمثل فتحاً مبيناً في مجال الفكر السياسي، إن هو إلا استعادة لما أسرف رجالات هذه الادارة في ترديده، حول الديموقراطية وضرورة نشرها في العالم، خصوصاً في أجزائه "الشرق أوسطية الكبرى"، بقوة السلاح طبعاً، سبيلاً لإنهاء الاستبداد واجتثاث الارهاب.
إن كان للكتاب من خصال، حسب فهم بوش للخصال طبعاً، فهي تلك المتمثلة في هوية صاحبه، الذي يحيل من خلال شخصه، على عدائين أساسيين وتكوينيين في نظرة أقطاب هذه الادارة إلى العالم وموقع الولايات فيه، حيال التوتاليتارية السوفياتية البائدة، وحيال الارهاب والاستبداد الاسلاميين الراهنين. وفي سلوك رجال الادارة الحالية، وعلى رأسهم بوش، ما يوحي أحياناً بأنهم يتخذون من "محاربة الارهاب" ما يشبه التعويض عن معركة لم يشاركوا في خوضها، لعامل السن أو لبعدهم عن صدارة المسؤولية آنذاك، ضد "امبراطورية الشر" السوفياتية، كما كان يقول رونالد ريغان، الحائز إعجابهم والذي يتوسلونه مرجعاً. وهكذا، فإن شارنسكي، إن من خلال سيرته وإن من حيث ما ورد في كتابه يمثل تلك الاستمرارية المزعومة أو المرجوة ويسوّغها. هذا ناهيك عن أن كتاب شارنسكي يقدّم تلك الأفكار في صيغة يمكن لجورج بوش فهمها واستيعابها.
فسيد البيت الأبيض أو نزيله، ليس بالقارئ المثقف بل هو قارئ ذرائعي، إن صحت العبارة، لا يأخذ من الكتب إلا ما يلبي حاجة آنية أو ما يستجيب هاجساً عملياً. وهو لو لم يكن رئيساً للولايات المتحدة، لكانت قراءاته مصنفات من قبيل "كيف تصبح مليونيراً؟" أو "كيف تشتري هاتفاً نقالاً؟" أو "كيف تكتب رسائل الحب وطلبات العمل وما إليها" أو "كيف تتعلم الصينية في عشرين يوماً؟"... وبما أن الأقدار أو ثروة العائلة أو جمهور المحافظين الأميركيين، أو كل ذلك مجتمعاً، نصبه على رأس الدولة العظمى الوحيدة في العالم، فإن كتاب شارنسكي يصبح بالنسبة إليه شيئاً من قبيل "كيف تنشر الديموقراطية في العالم؟". وربما أضيف إلى هذا العنوان "...خلال مدة رئاسية واحدة".
غير أن ما قد يكون أكثر دلالة وجدية في الأمر هذا، أن نزلاء البيت الأبيض من البوشيين يجمعون بين ملمحين لم يسبق أن اجتمعا في سواهم: بين ممارسة ذات طبيعة ايديولوجية، إرادوية إلى أبعد الحدود، وبين الافتقار إلى متن ايديولوجي محكم يرجعون إليه. سلوكهم ايديولوجي وفكرهم انتقائي يتميّز بانتهازية "نظرية" لافتة. تقلبوا خلال سنوات حكمهم الأربع الأخيرة، أو لنقل منذ الحادي عشر من أيلول 2001، بين استلهام صمويل هنتنغتون وشطحاته حول "صدام الحضارات"، وبين ادعاء الأخذ بأفكار الفيلسوف ليو شتراوس، على ما يزعم فصيلهم المنتمي إلى تيار "المحافظين الجدد"، هذا ناهيك عن الفيلسوف الألماني كارل شميت، ومؤلفات الكاتب، الألماني بدوره، إرنست يونغر، وسوى ذلك الكثير... حتى كتاب ناثان شارنسكي الأخير. صحيح ان الجامع بين كل تلك المراجع منحى يميني واضح، أقصى في الكثير من الحالات، لكن تلك المراجع، إذ يؤخد بها معاً أو على التوالي، لا تشكل منظومة فكرية متناسقة، كما يفترض في الايديولوجيات "الثقيلة" أن تكون، أو كما يفترض في سلوك من طينة ايديولوجية، كذلك الذي تتوخاه الادارة الأميركية الحالية، أن يتطلبه.
فهل يكون البوشيون قد اجترحوا جديداً: ضرباً من ايديولوجيا تجريبية؟

18:30 Permalink | Email this