« "المقاطعة" وانتخابات الشرق الأوسط.. | HomePage | جورج بوش قارئا... »
12/02/2005
في مفهوم الأغلبية والأقليّة
صالح بشير
المستقبل - الاحد 6 شباط 2005 - العدد 1826 - نوافذ - صفحة 10
غداة الانتخابات العراقية الأخيرة كانت كبارحتها. خاضتها بلاد الرافدين ممزقة، شيعاً وأحزاباً، وخرجت منها ممزقة، أو أن تمزقها بات أشد وأنكى. إذ كرس الاقتراع ذاك انقساماً طائفياً وإثنياً كان مُتوجساً فذهب فيه شأوا أبعد، بل ربما مأسسه، في "مجلس وطني"، عتيد وتأسيسي، طالما أنه سيتولى صياغة الدستور الجديد والنهائي. حتى ما قيل عن هزيمة العنف والإرهاب في هذه الانتخابات، إذ أخفق في الحيلولة دون إجرائها، ليس صحيحاً، أو أن صحته نسبية بالغة النسبية، ليس فقط لأن أبا مصعب الزرقاوي، ورهطه من الإرهابيين المحليين أو المستوردين، قد حصدوا من الأرواح ما تيسر في ذلك اليوم، على الرغم من صرامة الإجراءات الأمنية ومن منع السيارات (وهي بعض أكثر أسلحتهم فتكاً) من التجوال، بل لأنه أثنى عن الاقتراع من يهمّه إثناؤهم، أي السنّة، أو ساهم في ذلك إسهاماً كبيراً، فالرجل طائفي هو بدوره، مفرط في طائفيته، وإن أسبغ على "جهاده" لبوساً كونياً، يناصب الشيعة عداء مكيناً، أصلياً جوهرياً، واهي الصلة، أو ذرائعي الصلة، بموقفهم من هذا الاحتلال بعينه أو بسياسة لهم حياله معينة.
هذا هو واقع الحال الذي سيرثه العراقيون حال فراغهم من انتخاباتهم، تصويتاً وإحصاء، وحال انتهاء مهرجان الإشادة باقتراع أسرفت الولايات المتحدة على نحو خاص في الإشادة به، ربما لأن القوة المحتلة ما عادت معنية، في نهاية المطاف، إلا بمجرد إجرائه، في الموعد المحدد له، تعتبره نجاحاً في ذاته، أو لأن القوة العظمى الوحيدة في العالم قد أقبلت على هذه المسألة، كما على كل مسائل العراق وشؤونه منذ قرار غزوه وما أعقبه، بقدر من السذاجة ومن السطحية في التعاطي مع الأمور، تكتفي بظاهرها أو تتصنع ذلك. وصحيح أن في ظاهر الانتخابات العراقية الأخيرة ما يغري بالانخداع وما يُزيّن الخداع.
فقد كان الإقبال كبيراً، فاق التوقعات، بدا شعبياً تلقائياً، واحتفالياً في بعض الحالات، ينم عن إرادة حقيقية، غير مزوّرة، في الاضطلاع بدور فاعل في الشأن العام، وعن تحدّ للعنف والإرهاب صريح وشجاع. كل ذلك صحيح صحة لا يشوبها طعن، كان له وقعه البالغ على الرأي العام العالمي. غير أن هبّة الناخبين تلك تقوم على التباس، قد يكون فادح التبعات على مستقبل العراق، إذ أنها هبّة طوائف وإثنيات (الشيعة والأكراد خصوصاً) لا هبّة مواطنين. أي أنها هبّة ناخبين يسبقون انتماءهم الى مجموعاتهم على الرابطة الوطنية، أو يماهون بين ذاك وهذه ويبتسرون هذه الى ذاك. وذلك ما يصح، طبعاً وبداهة، على المقاطعة السنية، تلك التي خضعت بدورها لذاك المنطق الطائفي نفسه، وإن اتخذت هيئة مواجهة الاحتلال.
وفي حالة كهذه، لا يكون لمفهومي الأغلبية والأقلية دلالة كتلك التي يكتسبانها ضمن نصاب وطني منسجم سُكانياً، أو لا يتسم بانقسامات فئوية حادة وجوهرية، تناقض مبدأ العيش معاً أو تهدده جدياً، وتجعل الكيان يتأرجح بين التماسك القسري أو التفتت. ففي وضع كالوضع العراقي، وربما في سائر المشرق ما بعد العثماني، ليس هناك أكثريات نوعية، لأن العدد يلعب لصالحها، وأقليات من نفس تلك الطينة العددية الصرف لا يُعتدّ بها، هذا فضلاً عن أن صفتيْ الأغلبية والأقلية تكون، في الأنصبة المنسجمة سكانياً، نسبية آنية، لا بد أن يتداركها التداول على السلطة بعد أجل معقول، فيحوّل الأقلية الى أغلبية وهكذا دواليك. أما في الكيانات القائمة على التعددية الإثنية والطائفية، فإن الأكثريات ثابتة والأقليات ثابتة، وكذلك مواقعها في ميزان الغلبة، سواء تمثلت هذه الأخيرة في تسلط أقلية بالعنف والقسر، أو في اطمئنان الأكثرية الى أرجحيتها العددية لتسود وتستبدّ. وما يتوجسه المرء بشأن العراق، هو انتقاله من تلك الصيغة الأولى، التي ظلّت نافذة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الحرب الأميركية الأخيرة الى الاحتمال الثاني.
كل ذلك للقول أن مفهومي الأكثرية والأقلية ليسا عارضين، بمعنى أنهما ليسا مجرد طور في نصاب سياسي تداولي، بل أنهما تأسيسيان في وضع كالوضع العراقي، ولا سبيل، تبعاً لذلك، الى تقويم الانتخابات الأخيرة، باستنطاق النسب المئوية، مشاركة في التصويت أو نتائج، مقياساً حصرياً، بل إن المقياس ذاك يظل، على أهميته القصوى، واحداً من مقاييس عدة. إذ إن نيل الأكثرية العددية لا يحسم الأمر كما في "ديموقراطيات المواطنين"، بل إنه، في حالة كالحالة العراقية أو في الحالات من قبيلها، لا يتعدى الإقرار بأرجحية (وهذه ليست رديف الهيمنة أو هكذا يُفترض) سياسية مشروعة، في إطار ديموقراطية تمثيلية. في الأنصبة الديموقراطية العادية، الأمر بالغ البساطة: الأغلبية تحكم، أما في أنصبة التعدد الإثني والطائفي، من ذلك القبيل التأسيسي الذي سبقت الإشارة إليه، فلا سبيل الى إقامة ديموقراطية تمثيلية، إلا إذا ارتضت الأغلبية التخلي عن بعض أحقيتها في الحكم، وذلك تحديداً، وكما أسلفنا، لأن الأغلبيات في الأنصبة العادية متحولة، وهي في أنصبة التعايش الإثني والطائفي، ثابتة أو طويلة المدى... هذا بطبيعة الحال في صورة توافر الحرص على تماسك الكيان الوطني الجامع، أما إذا ما انتفى مثل ذلك الحرص، فذلك بطبيعة الحال موضوع آخر.
هل يعني ذلك أن الانتخابات العراقية لم تكن ديموقراطية؟ يكون القول بذلك من باب الإجحاف. فالاقتراع ذاك لم يكن عديم الديموقراطية، لا إجرائياً ولا من حيث النتائج. فهو قد تم في إطار من الحرية النسبية (أي تلك المتاحة في ظل الاحتلال، وهذه تبقى أوسع قياساً الى المعدل العربي العام)، حتى إن أسباب عرقلة الانتخابات لم تأت من السلطات، تلك المحتلة أو تلك المحلية، بل من المناهضين للوضع القائم، ولفكرة الانتخابات، أصلاً أو توقيتاً، سواء انتموا الى مقاومة وطنية الآفاق أم الى إرهاب كوني المدى. أما من حيث النتائج، كما توحي بها نِسب الإقبال على التصويت ومجاله الجغرافي والبشري، فإن الانتخابات تلك قد تداركت إجحافاً مديداً، إذا طابقت، لأول مرة في تاريخ العراق الحديث، بين مكانة الطائفة الشيعية كأكثرية عددية وبين حقها المشروع في أن تشكل أغلبية سياسية، بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه.
هل يُستخلص من ذلك أن الانتخابات الأخيرة قمينة باجتراح النصاب الديموقراطي العراقي المنشود أو المُرتجى؟ ذلك ما لا يمكن استنتاجه على نحو آلي، إذ أن من أبرز ما آل إليه الاقتراع الأخير أنه بلور الانقسامات الطائفية على نحو قد يكون غير مسبوق في التاريخ العراقي الحديث. فهو من ناحية كرس الغلبة الشيعية، إذ أقرها أمراً واقعاً، بعد أن كانت افتراضاً، بل هو فعل ما هو أكثر من ذلك، بأن حول الشيعة من مجموعة سكانية، مذهبية أو ثقافية، الى مجموعة سياسية، واعية بهويتها المستجدة تلك، على صعيد قيادتها الدينية والسياسية كما على صعيد جمهورها، كما دلت تعبئة هذا الأخير وإقباله الكثيف على خوض المعترك الانتخابي، كما أن الاقتراع ذاك قد أدى الى استفحال الانكفاء السني، وأدرجه في مؤسسات الدولة المنشودة، بل في لحظة تأسيسها، إذ يتعلق الأمر بما لا يقل عن التخلف عن الانخراط في "المجلس الوطني"، الذي أنيطت به مهمة إعداد الدستور العراقي الجديد.
والمشكلة أن تعاظم الدور الشيعي قد يخيف، إن لم يستوعبه إطار سياسي يحظى بالإجماع، كما أن الانكفاء السني قد يعرقل اجتراح أي نصاب جديد... وتلك مشكلة لم تساعد الانتخابات الأخيرة على تذليلها بل ربما زادتها إعضالاً.
06:56 Permalink | Email this


