05/02/2005

انتخابات العراق: أي نجاح مأمول؟

صالح بشير الحياة 2005/01/30

مع توجه العراقيين، صبيحة هذا اليوم، إلى صناديق الاقتراع، بوسع الرئيس جورج بوش أن يدّعي نجاحاً: تمكّن من إجراء الانتخابات في موعدها، وهو موعد بلغ مبلغ القداسة حتى بات بمثابة الغرض بذاته، أصرّت عليه الإدارة الأميركية، بالرغم من كثرة المطالبين بالإرجاء وعدم اقتصارهم على من كانوا من طينة أبي مصعب الزرقاوي ورهطه (فهذا لا تعنيه الانتخابات أصلا ويراها «كفرا وإلحاداً»)، أو على بعض الأوساط السنّية التي يساورها الحنين إلى أيام الاستبداد الصدامي.

بوش نجح، إذاً، لكنه قد يكتشف سريعا أن نجاحه ذاك نسبي بالغ النسبية، أو أنه إلى الفشل أقرب، إن لم يكن بالنسبة إليه، كإيديولوجي يرى في الإرادوية آية كل إنجاز ويمحضها في ذلك الصدد مفعولا سحريا، فبالنسبة إلى العراق وربما إلى القوات الأميركية في ذلك البلد. إذ أن الإصرار على الانتخابات وإجرائها على ذلك النحو وفي كنف تلك الظروف العراقية المعلومة والتي تدهورت تدهورا فادحا في الأيام الأخيرة والسابقة على الاقتراع، إنما انفكأ بهذا الأخير أو أنحطّ به من غاية إلى أخرى أدنى أو أكثر تواضعا: من وسيلة أو أداة أو استراتيجية تكون لبنة في إرساء النصاب العراقي المنشود، تؤول به إلى الاستقرار أو إلى عتبته، أو تُرهص بمعماره السياسي المرجوّ، إلى مجرد فعلِ عناد، أُريد منه تسفيه أوساط العنف والإرهاب ودحض ابتزازها وما تأنسه في نفسها من قدرة على الحؤول دون إجراء تلك الانتخابات.

صحيح أن أبا مصعب الزرقاوي، أو كائنا من كان مرتكب العنف في العراق، إرهابا شذّ عن كل مقاومة، ويمعن في الجسد العراقي تمزيقا إذ وضع نصب عينيه استثارة النزاعات الأهلية، قد أخفق في إجهاض الانتخابات، إلا أن ما يُخشى أنه تمكن من «تزويرها»، أي من تعطيل الإرادة الشعبية، وإن جزئيا، بما أثاره من رعب، أهوج أعمى، ومن دمار، ربما أقعدا الكثيرين عن المخاطرة بالخروج من منازلهم، والتوجه إلى صناديق الاقتراع، وعزّزا صفوف المقاطعين اختياراً بجحافل من المقاطعين اضطراراً، وربما أديا بالتالي إلى إفراغ العملية الانتخابية من مضمونها المُفترض... إلا في حالة اعتبار «إجراء الانتخابات بمن حضر»، على ما ذهب إلى القول أحد أقطاب الإدارة الأميركية قبل فترة (عندما ارتفعت أصوات تطالب بتأجيل الاقتراع إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية)، الطريقة المثلى في إسباغ الشرعية على ديموقراطية قيد التأسيس...

والمشكلة أن المقاربة تلك، ربما انحرفت بالعملية الانتخابية، على نحو إرادي أو غير إرادي، لا فارق من حيث النتيجة، عن أهدافها الأساسية، أي عما أريد لها أن تفضي إليه، لتنحو بها منحى التركيز على مجرد إجرائها، علما بأن المقاربة تلك تثقل على كاهل الناخب العراقي بما لا قبل له به وبما لا طاقة له عليه، إذ تطالبه بما يشبه العمل القتالي، ما دام هناك في العراق من يعتبر التصويت فعلا عدائيا، وما دامت الأيام الماضية قد دلت على أنه قادر على الاقتصاص أو على النيل من «مرتكب» تلك «الفعلة»، يفخخ ويقتل حيثما أراد. وفي ذلك ما ينافي بعض أسس الانتخابات الديموقراطية، تلك التي قوامها المواطن العادي، وهذا ليس بالمقاتل ولا بالبطل، ولا يطمح إلى ما هو أكثر من ارتياد صناديق الاقتراع آمناً والعودة إلى بيته مطمئناً، يعبر عن إرادة لا يشوبها أو يزوّرها إكراه، أكان إكراها على التصويت أم إكراها على الإحجام.

لكل ذلك، إن كان من غير المستبعد أن تجري الانتخابات العراقية على نحو سليم وأقرب ما يكون إلى النزاهة، أقله بمقاييس الجوار العربي المباشر والبعيد، فالانتخابات تلك، وبالنظر إلى كل الظروف والعوامل المشار إليها، قد لا تكون فاعلة في إخراج بلاد الرافدين من محنتها، وفي اجتراح النصاب العراقي المنشود. بل قد تزيد في تغذية الضغائن الأهلية، خصوصا بين الشيعة المعتدّين بأكثريتهم العددية، يتلهفون إلى ترجمتها إلى رجحان سياسي، وبين السنة الذين لم يحسنوا التعاطي مع وضعهم الجديد، وسيستشعرون غبنا لا يتوقف عند فقدان السلطة، بل يضعهم كذلك في مواجهة نتائج اقتراع، إن قاطعوه، حُرموا حتى من منزلة المُعارض ليُزَج بهم في موقع الهامشية والانشقاق. سيكون ذلك، إن حصل، نتاج بعض ما جنوه على أنفسهم، أو بعض عجزهم عن تمييز النفس عن التطرف الأهوج، أو نتيجة إرهاب «جهادي» حُسب عليهم أو تعاطفوا معه. لكن كل ذلك لا يبرئ القوة المحتلة، تحديداً لصفتها تلك، أي لأنها القوة التي انتدبت نفسها لتحمّل مسؤولية البلد، ويقع عليها ضرورة وزر أي تقصير أو سوء تقدير أو إخفاق.

ربما كان ذلك من مغبة إجراء الانتخابات تحت الاحتلال، لأن المحتل ليس قوة محايدة، يمثل إرادة متسامية، شأن الأمم المتحدة على سبيل المثال أو ما كان من قبيلها من الهيئات الدولية والإقليمية، بل هو الحاكم والحكم، تربطه بالبلد المحتل أجندة ومصالح وطنية، بمعانٍ ضيقة وخاصة، وله بالقوى القائمة في البلد المحتل علاقات متباينة، تتراوح بين العداء السافر والصريح والتحالف الوثيق، إلى ما بين الحدين ذينك من تلوينات وحالات وسطى.

الموضوع هذا، موضوع سلامة الانتخابات تحت الاحتلال من عدمها، قد أثار جدلا في الآونة الأخيرة، وهو جدل لا بد أن يستمر وأن يتعمق، بين قائل باستحالة مثل تلك الانتخابات وبين زاعم بإمكانها، انطلاقا من موقعين متباينين يقعان على صعيدين مختلفين تماماً: إذ أن منطلقات أصحاب الرأي الأول نظرية أو «مبدئية»، تعتبر أن لا سبيل إلى إرساء حرية الفرد، وهي أساس الانتخابات الديموقراطية، في ظل «استعباد» وطنه، ومنطلقات أصحاب الرأي الثاني براغماتية عملية، ترى في الانتخابات وسيلة ممكنة أو محتملة لاستعادة السيادة الوطنية، أو أنها لا تتناقض مع هذه الأخيرة تناقضا جوهريا، مستندين في ذلك إلى تراث الحركات الوطنية إبان الفترة الاستعمارية.

والجدل هذا، إذ فرضته مجريات الأحداث، قد يكون مآل الانتخابات العراقية الجارية اليوم، أحد أبرز عوامل إثرائه، أو أحد عوامل الحسم بين تلك المقاربة المبدئية ونظيرتها البراغماتية...

The comments are closed.