05/02/2005
الانتخابت وطوائف الشرق الأوسط
صالح بشير
المستقبل - الاحد 30 كانون الثاني 2005 - العدد 1819 - نوافذ - صفحة 9
هل يكون مآل "الديموقراطية" و"الانتخابات"، وفق صيغها المستجدة، أي المشروطة بالاحتلال أو الجارية في كنفه وتحت سقفه، شأن تلك التي تخاض اليوم في العراق وتلك التي خيضت في فلسطين قبل أسابيع قليلة، كمآل "الدولة" و"الحزب" و"النقابة"، وسواها من مؤسسات الحداثة وأدواتها الاجرائية ومثلها و"فلسفاتها" وممارستها ومفرداتها، "تبنتها" هذه المنطقة، طوعاً أو قسراً، فطوّعتها وأدرجتها في أنصبتها الثابتة والمقيمة عوض أن تندرج فيها؟
إذ ليس أبعد من الدولة الشرق أوسطية الراهنة (وربما العالمثالثية عموماً) عن أنموذجها الغربي والحديث المفترض. هذه تنزع، أقله نظرياً وكأفق منشود، نحو التعبير عن إرادة جماعية، هي إرادة "الأمة"، حتى تماهت مع هذه الأخيرة دولة ـ أمة، وإلى تجسيدها، وتلك تنبع من انقسامات ومن تصدعات أصلية وتقليدية، تستقي منها سلطانها وتعمل على تأييدها. تلك قوامها المواطن الفرد، كائناً حقوقياً، وإن انخرط من قبيل "أنثروبولوجي"، أي ما قبل قانوني، وفق المعنى الذي يمحضه العصرُ القانونَ، دلالة وفعلاً. تلك دولة بالمعنى الأشمل (لا الشمولي طبعاً أو ضرورة)، في وظائفها وفي حضورها، في حقوقها وفي واجباتها، وهذه محض سلطة لم تكد تأخذ من الدولة الحديثة إلا أدوات وأنظمة القسر، وهي كثيرة هائلة، لم يسبق أن حازت عليها سلطة في ماضي التاريخ.
الأنموذجان يتساويان في التسمية، بل وفي نظر القانون الدولي (أقله قبل أن تنطلق إدارة الرئيس بوش في العبث بهذا الأخير). يتمثلان في المحافل الدولية على قدم المساواة. يوقعان العهود والمواثيق استناداً إلى نفس المعايير القانونية الدولية التي أرساها أو فرضها، كونياً، الأنموذج الغالب. يتماثلان في مظاهر شكلية، وأساسية، كثيرة، ولكنهما يفترقان افتراقاً جلياً مبرماً من حيث الجوهر، حتى إنه يمكن القول ان "السلطة" الشرق أوسطية، تمثل، في العمق، انتصاراً على أنموذج الدولة الحديثة، لا انتصاراً لهذا الأخير. جاء ليغيّرها فغيّرته أو انحرفت به عن مساره وعن طبيعته الأصلية أو تلك التي يدعيها أصلية. لم تأخذ منه إلا ما ينفعها أو ما يدعم سلطانها: اقتبست منه إمكاناته القسرية الهائلة، دون حدودها القانونية، واتخذته قناعاً، يتستر على أصلها التقليدي المغرق في التقليدية، أو "المتخلف"، إن أردنا الجنوح إلى أحكام القيمة، ليبرز من الحداثة وجهها ومظهرها وسماتها الخارجية والنافلة. فالسلطة الشرق أوسطية آخذة بضرب من الانفصامية الناجزة، بين جوهرها التقليدي ومظهرها الحديث، تلك التي ربما مثلت سلطة العائلة ـ العشيرة في عراق صدام حسين بعض أوضح تجلياتها، ولكن الانفصامية تلك فاعلة ناجعة، في ما يعنيها ويمثل علة وجودها. فـ"الدول" الشرق أوسطية قد تكون فشلت ذريع الفشل في ما يفترض أنه من مهام الدول، توحيد الأوطان واتساقها حولها، وتوفير شروط التنمية وما إلى ذلك، ولكنها لم تخفق في الأساسي (بالنسبة إليها)، أي البقاء والاستمرار كسلطة، وأبدت في ذلك مرونة مدهشة تحسد عليها، جنّدت في سبيل تحقيقه، على نحو ذرائعي سينيكي صرف وبانتقائية بالغة، كل ما يمكن تجنيده، "الأصالة" و"المعاصرة"، أكثر الايديولوجيات ثورية وراديكالية وأكثر الدعوات انكفاء على الأصيل والموروث، أكثر المؤسسات حداثة وأكثرها تقليدية. وفي هذا الصدد أيضاً، شكل نظام صدام حسين بعض أبرز الأمثلة على ذلك الضرب من النجاح، وهو الذي استمر بالرغم من كل ما اقترف، وبالرغم من عاهاته التي لا تحصى، وبالرغم من استعدائه فئات واسعة من الشعب العراقي، وبالرغم من الحصار الدولي، حتى ارتأت الدولة العظمى الوحيدة في العالم أن تنزع عن العراق حصانته كدولة، لتجتث دكتاتوره اجتثاثاً عنيفاً منافياً للقوانين الدولية.
وما يصح على الدولة الشرق أوسطية يصح على سائر المؤسسات "الحديثة" الأخرى، من أحزاب ونقابات وما إليها. سوسيولوجيا مثل تلك المؤسسات معلومة، إن لم يكن بدقة ففي خطوطها العريضة، كثيراً ما توقف عندها المعلقون والمحللون والدارسون، إشارة أو سبراً أو محاولة سبر. فهي غالباً ما "تخفي" (ولكنه إخفاء كالإفصاح) خلف "خطاب" مداه الطبقة أو الوطن أو الأمة (عربية كانت أم إسلامية أم سورية أم سوى ذلك) بل الانسانية، هواجس ومطامح وحسابات فئوية، بأكثر المعاني تقليدية، أي مقاسها المجموعة الطائفية أو الاثنية، أو ما إليها من تجمعات الانتظام والانتماء ما قبل الحديثة.
هل يعني كل ذلك أن المجتمعات مهد تلك الفئات و"المؤسسات"، راكدة آسنة ثابتة في الزمن؟ يكون القول بذلك مجانباً للصواب. إذ تفيد التجربة والملاحظة، أقله على نحو أولي وقبل أن تشفعه الدراسة المتأنية والنافذة، أن ليس أكثر حركية من تلك المجتمعات. فهي في حالة صراع وتحوّل مستمرين. ولكن وفق منطق خاص وربما كان فريداً. فالصراعات تلك تجري بين المجموعات الطائفية أو الاثنية القائمة، أو تجري داخلها وفي صلبها، وقد تفضي إلى انقلابات من طبيعة "ثورية"، بمعنى أنها قد تفضي إلى تجاوز وإلى إعادة صياغة موازين قوة وغلبة عمّرت قروناً، حتى باتت تبدو بمثابة النصاب الأبدي. لكن المفارقة أن تلك التحوّلات، على دراماتيكيتها في بعض الحالات، لا تطال البنية العامة، أي إطار ذلك التعايش ـ النزاعي بين مختلف تلك الجماعات، ممثلاً في زمننا هذا في الوطن أو الدولة المتسحدثتين بعد الاستقلال. فالصراع يجري باسم الفئة، التي تظل مداه وأفقه ومفردته الأساسية، بيئتها وإطارها ذلك الوطن وتلك الدولة. هناك انتماء أصلي، هو ذلك الفئوي، ليست الدولة أو الوطن غير مجال التعبير عنه أو الذود عنه أو إنقاذه غلبة أو سعياً إلى الغلبة.
لعل ذلك هو المعنى الحقيقي لما يسمى "الممانعة الثقافية". هناك المعنى الشائع والمبتذل، والذي يفهم تلك "الممانعة" على أنها الرفض الصاخب والديماغوجي، "للأفكار المستوردة" والفلسفات الوافدة والغربية، على شاكلة ما اعتاده، مثلاً لا حصراً، "مفكرون" (ما أسخى العرب بمثل هذه الألقاب يسبغونها على من لم ينتج يوماً فكرة!) احترفوا هجاء من يصمونهم بـ"مثقفي المارينز"، وهناك المعنى الذي قد يكون أكثر دقة لهذا "المصطلح"، هو ذلك المتمثل في ثبات تلك البنى التقليدية، يجعلها لا تنكفئ إلا على الأصلي والأساسي، أي على بقائها أساساً لمعمار الكيانات، مع قدرتها على استيعاب كل ما يطرأ وما يجد، خطاباً كان أم نظماً ومؤسسات، تقبل عليها وتجنّدها وتمسخها من داخلها، وقد تغتذي بها لتحقيق استمرارها.
والأرجح أن مشروع الدمقرطة الأميركي، والقائم على اعتبار الانتخابات، وإجرائها قسراً وفي ظل الاحتلال ان دعت الحاجة، إكسير تغيير "الشرق الأوسط الكبير"، سيصطدم بدوره بتلك العقبة، ستستوعبه تلك البنى التقليدية، وتتخذه وسيلة لتأييد ذاتها، كما فعلت مع ما سبقها من استراتيجيات "التحديث" الأخرى.
وذلك ما يبدو أن الاقتراع الأميركي الجاري هذا اليوم في العراق بصدد تقديم أوضح الأدلة عليه: اقتراع اتخذ منحى طائفياً أو إثنياً لا لبس فيه، مع أن العراق دائرة انتخابية واحدة، ومع أن النية من تنظيمه كانت التوصل إلى إعادة اجتراح الكيان العراقي، على أساس تعايش طوعي بين مواطنيه المفترضين، بديلاً من تعايش قسري، كانت القبضة العسكرية أداة إنفاذه وسبب وأده في آن.
10:33 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.