« 2004-12 | HomePage
| 2005-02 »
28/01/2005
كونداليسا رايس وزيرةً...
المستقبل - الاحد 23 كانون الثاني 2005 - العدد 1812 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
بدت كونداليسا رايس، لدى مثولها خطيبة امام الكونغرس، تحدد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية خلال السنوات الأربع المقبلة، "باولية" اكثر من سلفها كولن باول. استعادت نبرة الاخير وكلامه، او ما كان يعتبر من عناصر تمايزه داخل ادارة بوش الأولى، فأجابت بذلك، من حيث لا تقصد ربما، على سؤال كثيرا ما تردد طوال الاعوام الأربعة الفائتة: هل ان التمايز المنسوب الى باول كان حقيقيا، ينبئ عن وجود تيارات داخل حكومة القوة العظمى الكونية الوحيدة، ام انه لم يكن اكثر من اختلاف في الاسلوب، تفرضه طبيعة الدور الموكل اليه، اي مخاطبة العالم، ام ان التمايز ذلك كان مفترضا او متوهما من قبل العالم الخارجي، العاجز في مواجهة سطوة واشنطن البوشية وتفردها، فلا يرى الخلاص الا في تباين، مرجو ومن قبيل الاماني اكثر مما كان واقعا، داخل ادارتها؟
كان حريا بسلوك كولن باول طوال سنوات تقلده دبلوماسية الولايات المتحدة ان يكون في ذلك الصدد دالا بليغا. فالتمايز المنسوب الى الرجل، لم يثن ادارة بوش عن تفرد ارتأته واقدمت عليه، في العراق او في النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني او في اي شأن دولي آخر، بل ان باول كان طرفا نشيطا في كل ذلك كلما دعت الحاجة واقتضت الوظيفة، فكان ان وقف، مثلا لا حصرا، امام الملأ العالمي، في الامم المتحدة، يعرض "ادلة" امتلاك نظام صدام حسين اسلحة الدمار الشامل، ويبشر بها مسوغا لا يقبل الدحض لضرورة محاربته.
غير ان مداخلة كونداليسا رايس امام الكونغرس، لنيل موافقته على توليها الخارجية، هي ما قد ينهي الجدل، ويقطع الشك باليقين، في ذلك الصدد. اذ هي دلت على ان كلام باول يمكن ان تتفوه به رايس، وهي من هي تشددا والتصاقا برئيسها يبلغ مبلغ التماهي والاصدق تعبيرا عن "رؤيته" لشؤون العالم. فقد الحت رايس على ضرورة التشاور مع الحلفاء والتعاون معهم، فاستدرت بذلك تفاؤلا، متسرعا في رأينا، من بعض الصحافة الاوروبية، بل ذهبت الى حد التلميح بان ادارة بوش الثانية ستكون ادارة "دبلوماسية" بقدر ما كانت الأولى ادارة "حربية". صحيح ان وزيرة الخارجية الجديدة قد اصرت على "الثيمات" الاساسية لسياسة بوش الخارجية، في ما يخص العراق ومحاربة "الدول المارقة" (علما بأن المصطلح هذا قد سحب، الى حد ما، من التداول منذ بعض الوقت) ومن مضي في نشر الديموقراطية، على نحو ما رأينا حتى الان على الارجح، ووصفت المنظمات الفلسطينية بـ "العصابات"، الى ما سوى ذلك من اقانيم ومظاهر التشدد التي تسم البوشية، الا انها، من وجه آخر، اوحت بأن ليس في كل ذلك ما لا يمكن التفاهم بشأنه، او السعي الى التفاهم بشأنه، مع حلفاء الولايات المتحدة وسواهم.
وكل ذلك يدل على ان المشكلة ليست في الكلام، ما دام يمكن لـ "الحمامة" المفترضة، كولن باول، ولـ "الصقر"، كونداليسا رايس، ان يتفوها بما كان منه متماثلا او يكاد، بل ان المشكلة تلك تكمن في دلالات الكلام وفي ما يراد منه. وعلى هذا الصعيد، اي على صعيد الدلالات، يسعنا القول ان البوشية، سواء تولى النطق بلسانها كولن باول او كونداليسا رايس، وسواء "نظر" لها محافظ جديد او محافظ تقليدي، قد ادخلت على "الخطاب" الدولي تغييرات جوهرية وثورية، تطال مفاهيمه المؤسسة.
خذ مثلا مفهوم "نشر الديموقراطية" على الصعيد الكوني، ناهيك عن "الشرق الأوسط الكبير". من حيث المبدأ، لا احد، عدا المستبدين بطبيعة الحال، يخالف الولايات المتحدة في ذلك، بل ان الامر ذاك، كان حلما ساور الكثيرين، على نحو طوباوي احيانا مسرف في التفاول الساذج غالبا، غداة الحرب الباردة وانهيار الاستبداد الشيوعي، وذلك منذ ان كان جورج بوش الابن، الذي انتحل ابوته لذلك المطلب وادعاها على نحو غير شرعي، رجل اعمال منصرفا الى مراكمة المال او سياسيا محليا مولعا بانفاذ احكام الاعدام.
الحقيقة ان جورج بوش الابن، والمحيطين به من محافظين جدد وقدامى، قد سطوا على ذلك المفهوم ليجندوه في ما لا شأن له به، اذ اقاموا ضربا من التناقض الجذري، ومن المنافاة التامة، بين سيادة الاوطان وبين تنعمها بالديموقراطية. صحيح ان التذرع بالسيادة الوطنية كثيرا ما كان اداة في يد المستبدين للبطش بشعوبهم، لكن الواقعة تلك لا تدحض السيادة في ذاتها، وهي التي يفترض فيها ان تكون اساس المعمار الدولي ومبدأ التعايش بين الامم ومستنده، بل يفضح فقط توسلها على ذلك النحو المزري، تماما كما ان "نشر الديموقراطية"، ليس مرفوضا كهدف نبيل في ذاته، بل من حيث استخدامه مسوغا لسياسات هيمنة واحتلال كتلك التي تتوخاها الولايات المتحدة، في طورها البوشي الراهن على نحو خاص.
مصداق ذلك ما نراه في فلسطين والعراق، حيث جرت وستجري انتخابات، ديموقراطية او على قدر من ديموقراطية، في كنف الاحتلال، الاسرائيلي بدعم اميركي في الحالة الأولى، والاميركي، صراحة ودون وسائط في الحالة الثانية. وما اريد البرهنة عليه في الحالتين، اللتين تكادان تمثلان التجربتين العربيتين الوحيدتين في الانتقال الى الديموقراطية، ان بلوغ هذه الاخيرة لا يمكنه ان يتحقق الا مع الحرمان من السيادة، وانها هي الشرط الشارط لاستعادة السيادة او لاجتراحها، وان كان الاحتمال الاخير هذا افتراضياً بالغ الافتراضية.
مؤدى هذا المنطق، اذا ما دفع نحو مآلاته القصوى والاخيرة، ان السيادة باتت مشروطة بالديموقراطية، وان ذلك يمثل مبدأ جديدا تريد الولايات المتحدة ارساءه اساسا للمعمار العالمي الجديد او للنظام العالمي الجديد، ما قد يجعل من الحالتين العراقيتين سابقتين في هذا الصدد، لا استثناءان يحفظان ولا يقاس عليهما. وذلك ما تكاد واشنطن تفصح عنه جهارا، ان من خلال ما اسمته بـ "مشروع الشرق الأوسط"، وهذا يخص جزءا شاسعا من العالم، وان من خلال تصريحات جورج بوش الاخيرة، والتي تزامنت تقريبا مع ما كانت وزيرته للخارجية تدلي به امام الكونغرس، من ان حروبا اخرى قد تخاض ضد "الدول المارقة"، على شاكلة تلك التي استهدفت العراق.
ومن حيث المبدأ مرة أخرى، قد يوجد ما يحول دون اعتماد الديموقراطية شرطا للسيادة، يحد من غلواء هذه الاخيرة كلما اتخذت مطية للاستبداد، لكن المشكلة ان مثل ذلك يبقى مجرد مفاضلة نظرية، متعذرة التحقيق فعليا وعمليا، اقله في اطار الاستراتيجية الاميركية، وذلك لسببين اساسيين على الاقل، اولهما تناقض الديموقراطية مع الاحتلال جوهرا، اذ ان الديموقراطية تفترض السيادة الشعبية، وهذه مجالها ومادتها وقاعدتها السيادة الوطنية، وثانيهما ان تاريخ العالم لم يعهد حتى الان محتلين (علما بأن الاحتلال غلبة وهو لذلك يخضع الى منطق القوة وينطق به) بلغ بهم الايثار ان توقف دورهم عند الارتقاء بالشعوب الخاضعة الى سوية ديموقراطية، ثم الانسحاب بعد اداء تلك المهمة الجليلة. لذلك، فان ديموقراطية من هذا النوع، محكوم عليها بالبقاء دون السيادة، لا يمكنها ان تفضي الا الى ضروب مختلفة، باختلاف الاوضاع والحالات، من الحكم المحلي، لا تتعدى تمكين الخاضعين للاحتلال من تسيير ما كان من شؤونهم يوميا اجرائيا، اي ما هو دون السياسة.
واذ كان هذا هو جوهر السياسة الاميركية، كما يدل عليه هذا المثال، فما الفارق ان نطقت به "حمامة" (مزعومة) مثل كولن باول، او صدح به "صقر" مثل كونداليسا رايس؟
08:55 Permalink | Comments (0) | Email this
محمود عباس بين شروط التعجيز ونهاية "الشراك
صالح بشير الحياة 2005/01/23
هل أطلقت إسرائيل عملية نزع صفة "الشريك" عن محمود عباس, أسوة بما كانت قد فعلته مع سلفه ياسر عرفات؟ الأرجح أن نعم. إذ عادت الدولة العبرية إلى سياسة التشدد (العسكري) والابتزاز, تطالب الرجل, وهو الذي لم يشتد عود رئاسته, بما لا قبل له به وبما لا يمكنه إلا أن يفشل فيه: أي "وقف العنف والإرهاب".
فالشرط ذاك ابتزازي تعجيزي. إذ أنّى لمحمود عباس أن ينجح, بالقوة أو بالسياسة, في نيل ما تعذر نيله على إسرئيل, بكل جبروتها وتفوقها الساحق, أو في ما أخفقت الولايات المتحدة, بجيشها الجرار وبوسائلها الهائلة وبحلفائها الدوليين والمحليين, في بلوغه في العراق؟ ولا شك في أن أرييل شارون يعلم ذلك علم اليقين, وهو إذن لا يرفع ذلك المطلب في وجه محمود عباس إلا من باب المراهنة على فشل هذا الأخير, خصوصاً أن الدولة العبرية تمتنع عن تمكين الرئيس الفلسطيني الجديد من أدنى ما من شأنه أن يرجّح حجته وموقعه في وجه المعترضين عليه وعلى توجهاته, أي من أفق تسويةٍ "تكتفي" بقدر من الإجحاف يُطاق ويمكن تحمّله بالنسبة إلى الفلسطينيين, إن لم تكن عادلة ناجزة العدالة. والحال أن أقصى ما تعرضه حكومة شارون على السلطة الوطنية الفسطينية لا يعدو أن يكون ضربا من تنسيق إجرائي وأمني, أي يبقى دون السياسة, في إنفاذ ما قررته وأزمعته من جانب واحد, شأن الانسحاب من غزة.
ذلك أن لا استراتيجية لدى شارون حيال الفلسطينيين غير تلك المتمثلة في نزع صفة "الشريك" عنهم وفي وأدهم سياسيا. كان ذلك صحيحا في عهد ياسر عرفات, وسيكون أصحّ (إذ ربما عُدّ أيسر منالا) في عهد محمود عباس. لا يسلّم بغير ذلك إلا من صدق خرافة أن المشكلة مع عرفات كانت متعلقة بشخصه لا بما كان يمثل. الدولة العبرية, أو القائمون عليها حاليا, يستندون في مقارباتهم إلى تحليل للنزاع في طوره الراهن, مفاده أن ميزان القوة محليا وإقليميا ودوليا (أي أميركيا) يميل إلى صالحهم على نحو قاهر, يدرأ عنهم عناء تسوية لم يريدوها يوما فعلا, كما دلت المفاوضات المضنية طوال عقد أوسلو, من مطلع تسعينات القرن الماضي إلى اندلاع الانتفاضة الثانية. لذلك سارعت إسرائيل إلى الضغط على الرئيس الفلسطيني حال انتخابه تقريبا, ولم تمكنه من فترة سماح, أو هي لم تمهله, إن أمهلته, إلا قليلا ومن أجل "البرهنة" (ومثل تلك "البرهنة" سهلة في الوضع الفلسطيني الراهن), على أن الرجل ليس في وارد إنفاذ تعهداته أو ما يُطلب منه, أي من أجل دحضه كـ"شريك", مع أنها لا تعرض عليه, في العمق, "شراكة" ولا من "يُشركون".
وما من شأنه أن يزين لإسرائيل كل ذلك, إلى جانب الوهن العربي والعجز الأوروبي والتواطؤ الأميركي, أن موقع محمود عباس ضعيف بالغ الضعف. فالرجل لا يزال في بدايات إمساكه بمقاليد سلطة لا تزال عرفاتية, بمعنى قُدّت على مقاس الرئيس الراحل وحول شخصه, تتطلب مأسستها جهدا طويلا مضنيا, وقد تتخله صراعات داخلية شعواء, وإن ظلت "صامتة" غير مفتوحة. غير أن هذا أيسر جوانب ضعفه ذاك, الذي نتمناه آنيا مرحليا, قياسا إلى أمرين آخرين أنكى وأثقل وطأة.
أولهما أن الرجل انتُخب على أساس برنامج تسوية, في فترة, محلية ودولية, لا تعد بتسوية لا تتسع لها. والأمر ذاك لا يعود فقط إلى تعنت شارون وتشدده, بل إلى انعدام توازن القوة (وهذا لا يقاس حصرا بالسطوة العسكرية) الذي كان من شأنه أن يفرض "خيار" التسوية فرضا, حتى على من كان في تطرف رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي (وهو تطرف بات يحظى بمباركة قطاعات واسعة من الإسرائيليين, بما فيها اليسار "الرسمي"). وبديهي أن برنامج شارون نتاج لذلك النصاب الاستراتيجي المختلّ, ومستفيد منه, لا صانعه ومجترحه حتى يكفي التأثير في نوايا الرجل لتغيير وجهة الصراع. وفي مواجهة وضع كهذا, لا يمتلك محمود عباس غير أوراق قليلة, تنحصر في الظهور بمظهر الطرف الذي اختار, على نحو جاد لا لبس فيه, منحى التفاوض السلمي وسيلة وحيدة لحل النزاع والمراهنة على تعاطف العالم وربما بعض قطاعات الرأي العام الإسرائيلي. وكل ذلك لا يلوح, بالمقاييس السياسية, أساسا صلبا. قد لا تنال مثل هذه المقاربة بعض الفاعلية إلا في احتمال أقصى, هو الانضمام إلى المعسكر "المُحارب للإرهاب", لكن مشلكة الاحتمال ذاك أن المخاطرة به, على افتراض القدرة على خوض غماره, من شأنها أن تفتح باب الاحتراب الأهلي على مصراعيه. وهكذا, تواجه استراتيجية أبي مازن, إشكالا من قبيل مُعضل وأساسي.
أما نقطة الضعف الثانية, فهي تلك التي "ورثها" محمود عباس عن الانتخابات الأخيرة. صحيح أن الانتخابات تلك كانت سليمة ديموقراطيا, أقله بالمقاييس العربية, وصحيح أن الرجل حظي بأغلبية مريحة وذات مصداقية, أي ليست من قبيل استفتائي, على جاري عادة الاقتراعات العربية, وصحيح أنها مكنته من شرعية دولية لا غبار عليها. لكن مشكلة تلك الانتخابات لا تتمثل في ما اتسمت به, بل في ما غاب عنها, أي في من قاطعوها ولم يشتركوا فيها, ترشحا أو تصويتا. فنسبة المقاطعة أو الامتناع كانت عالية. وكان يمكن لحجمها العددي ذاك أن يبقى عديم الدلالة أو لا يُعتدّ بدلالته, لولا أنها كانت "مُنظّمة", أي تندرج ضمن مقاربة أخرى, هي تلك التي تتوخاها الحركات الإسلامية, تقف على النقيض من تلك التي يدعو إليها محمود عباس, ولا تعتبر نفسها, مستقوية بنسبة المقاطعة إياها, مُلزمة بنتائج انتخابات لم تشارك فيها, لا ترشحا ولا تصويتا, هذا إن افتر ضنا أن كل الممتنعين من المتعاطفين مع حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي". وذلك ما دلت عليه الأيام الماضية, حيث "عادت" تلك المنظمات إلى مزاولة العنف المسلح, مُبادِرة, أو رادّة, على اعتداءات اقترفتها إسرائيل. وهكذا, إن كانت الانتخابات الفلسطينية الأخيرة لحظة ديموقراطية لا يرقى الشك إلى ديموقراطيتها, إلا أنها لم تكن لحظة إجماع وطني, خصوصا حول تلك النقطة الحاسمة في حياة الفلسطينيين وفي وجودهم (السياسي وسواه), أي كيفية التعاطي مع كيان لا يزال "عدوّاً", ولا صفة له غير هذه (رغم احتجاج إسرائيل على محمود عباس عندما أطلق هذه الصفة أثناء حملته الانتخابية), ما لم يتم التوصل إلى تسوية عادلة.
قصارى القول إن وضع محمود عباس هش بالغ الهشاشة, على ما هو الوضع الفلسطيني أصلا في طوره الراهن, ذلك الذي يراوح بين استحالتين: تعذر نيل الحقوق بالتفاوض وعسر تحقيقها بالانتفاض المسلّح, كما تدل حصيلة الانتفاضة الثانية, أقله حتى الآن...
وربما توجب أن ينصرف الجهد إلى إعادة اجتراح إجماع فاعل وإيجابي المحتوى, لا يتأسس فقط على تابو, أو مُحرّم, الاقتتال الأهلي, من خلال إرساء ضرب من "مساومة تاريخية" بين مختلف أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية, وإلا تحول الشعب الفلسطيني "شعبين": واحد يمنح الأغلبية لمحمود عباس, والثاني يتبع الحركات الإسلامية. ولا هذا ولا ذاك ينتزع شيئا من "العدو الصهيوني".
08:55 Permalink | Comments (0) | Email this
20/01/2005
العراق: الانتخابات والسياسة
صالح بشير الحياة 2005/01/16
حتى صحيفة «نيويورك تايمز» ضمت صوتها، وهو صوت وازن، إلى الداعين إلى تأجيل الانتخابات العراقية، آخذة على إدراة الرئيس بوش تقديسها لموعد الثلاثين من الشهر الجاري، كأنما الاقتراع أمسى هدفاً في ذاته، منبّهة إلى أن إجراء الانتخابات في ظروف العراق الراهنة قد يفضي إلى «السيناريو الأسوأ، أي الحرب الأهلية بين السنة والشيعة، ما سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في كامل الشرق الأوسط».
والمرجح أن الصحيفة الأميركية النافذة لا ترى هذا الرأي بدافع الإحراج حيال رئيس كانت قد «ناضلت» ضد التجديد له في الانتخابات الأخيرة، كما سبق لها أن تحفظت عن مغامرته الحربية في العراق، بل أنها تستند في ذلك إلى تقييم للأوضاع متزن لا يعوزه الصواب. إذ ما انفك يتأكد أن استجابة الداعين إلى تأجيل الانتخابات ما عادت تعني فقط التراجع أمام أهل التطرف والإرهاب ومن يقترفونهما، بل هي أمر باتت تقتضيه الجدوى، إذا ما أُريد للانتخابات المذكورة أن تضطلع بما وجدت من أجله، أو هكذا يُفترض، أي إرساء نصاب سياسي عراقي قابل للحياة وللاستمرار، ولا يكون في حاجة، إلى أجل غير معلوم، إلى أداة عسكرية، خارجية أو محلية، تفتعل تماسكه وتفرضه فرضاً. ولعل من بين ما هو حريّ بجعل مطلب التأجيل هذا يطمئن الإدارة الأميركية، أو يدعوها على الأقل إلى النظر فيه جدياً، أنه صدر خلال الآونة الأخيرة عن قوى وأطراف سنّية ليست بالضرورة مناوئة للوجود الأميركي في العراق أو مناهضة له عسكرياً.
لكن الرئيس بوش وإدراته يبوّئان، كما قيل مرارا، الفعل الانتخابي منزلة إيديولوجية، فلا يعبآن إلا قليلا بوظيفته الإجرائية والأداتية، كلَبنة في اجتراح أنصبة مستقرة، تذلل الاحتقان الأهلي وتحول دون تفاقمه نزاعا مفتوحا. أما إذا حفّت بذلك الفعل الانتخابي اعتبارات سياسية، فهي لا تخص البلد المعنيّ به في المقام الأول (العراق في هذه الحالة)، بل الرأي العام الأميركي، والظهور أمامه بمظهر الجادّ في إنفاذ الأجندة التي التُزم بها حياله. وذلك هاجس مفهوم، وإن كان سينيكيًّا إلى أبعد الحدود، لعلم الإدارة الأميركية بأن الذي في وسعه أن يحاسبها إنما هو الرأي العام المحلي، لا ذلك العراقي. فمع أن الرئيس بوش لن يخوض غمار معركة انتخابية ثالثة، إلا أنه حريص دون ريب، وهو من هو تبشيريةً إيديولوجية، على بقاء السلطة بين أيدي المحافظين من طينته بعده. كما أن الأمر ذاك، ربما عاد إلى ما هو أبعد وأعمق، إلى خاصية الولايات المتحدة كامبراطورية ممتدة سطوةً ومنكفئة عقليةً، كونية المدى و«ريفية» الآفاق، ميالة إلى قياس شؤون العالم الخارجي بمعايير محلية في المقام الأول.
غير أن تلك السمة السحرية التي يبدو أن الإدارة الأميركية تسبغها على الفعل الإنتخابي، تراه إكسيراً لحل المشاكل بقطع النظر عن تهيئة ظروفه، لا يوازيها إلا سحرية مماثلة يسبغها الداعون إلى تأجيل الانتخابات، خصوصا في الوسط السني العراقي، على دعوتهم تلك. علما بأن الدعوة تلك، حتى في صورة استجابتها، لن تحقق شيئا ما لم يواكبها سعي من جانب السنّة، للاندراج في الواقع العراقي الجديد، يأخذ علماً بالوضع الذي آلوا إليه، ويسلم بفقدانهم لسلطة انفردوا بمزاولتها منذ قيام الكيان العراقي «الحديث»، ويقر بأن أقصى ما يمكنهم أن يطمحوا إليه من هنا فصاعدا، هو إحقاق حقوقهم كأقلية، داخل نصاب ديموقراطي، لا استعادة الغلبة، أقله لأن النصاب الدولي الذي مكّنهم من تلك الغلبة في سالف الأيام، غداة انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقسيم آخر ممتلكاتها المشرقية، لم يعد ملائما لهم الآن وبات يعمل وفق منطق آخر، مختلف تماما، يقوم، على ما يبدو، على إحداث تطابق، وإن نسبي، بين الأغلبيات العددية والأغلبيات السياسية. قد يكون ذلك هو المآل المرجوّ للمعمار السياسي في بلدان المشرق، وقد يكون العراق مختبره ومُفتتحه، بحيث لا يكون من قبيل المبالغة الإفتراض بأن سياسة «نشر الديموقراطية» في ربوع المنطقة، وفق التصور الأميركي، ربما كانت، أقلّه جزئياً، «الاسم الحركي» لتلك الاستراتيجية.
وذلك ما يبدو أن سنّة العراق قد أخفقوا حتى الآن في إدراكه، وتالياً في ترجمته إلى مقاربة سياسية تنطلق منه وتتماشى معه وتواكبه، ما منح مقاومتهم ذلك المنحى «العدمي» الذي كثيرا ما أخذه عليهم المراقبون، بمن فيهم الأكثر اعتراضا على المغامرة الأميركية في العراق، خصوصا وقد خالطت تلك المقاومة ولابستها «جهادية» إسلاموية متطرفة، كتلك التي يمثلها أبو مصعب الزرقاوي وتنظيم «القاعدة»، لا يخالجها أي اكتراث بمصير الكيان العراقي، إذ لا يعنيها هذا الأخير إلا بوصفه «ساحة».
غير أن معضلة السنة العراقيين قد تتجاوز صعوبة التكيف مع وضع الدونية السياسية الذي آلوا إليه بعد انهيار نظام صدام حسين، على أهمية تلك الصدمة، لتتعلق بما يمكن تسميته بضربٍ من نكوص سوسيولوجي، على صعيد تمثيليتهم، ألمّ بهم وأدى، بدوره، إلى ضرب من التردي في تعاطي السياسة وفي النهوض بها في أوساطهم. إذ يبدو أن التمثيلية السنية قد شهدت مسار «بدوَنة» انتقل بها من الحواضر إلى البوادي ومن النخب المدينية إلى الزعامات القبلية، وهو ما يتجلى في أكثر من ظاهرة وعلى أكثر من صعيد، حتى ضمن السلطة العراقية المؤقتة، حيث تم تفضيل «الشيخ» غازي الياور، رئيسا للدولة، على «الدكتور» عدنان الباجه جي. تلك فرضية نطرحها بحذر، في انتظار أن يؤكدها أو يدحضها باحثون عراقيون أدرى بشؤون بلدهم. لكنها تبدو للوهلة الأولى أداة قد لا تعوزها الفاعلية في تفسير وضع السنة العراقيين. ومسار البدونة ذاك، إن صح، ربما بلغ أوجه خلال فترة حكم صدام حسين، ذلك الذي ربما وصل إلى الشأو الأبعد والأكمل في عملية استبدال النخب داخل الطائفة السنية، وإنجاز الانتقال من نخب مدينية، تتطلع نحو مدن بلاد الشام، تستقي منها التأثير السياسي وتستلهمها إيديولوجياً، إلى نخب بدوية المحتد والأرومة، وإن تمديَنت بشكل من الأشكال، منابعها العشيرة وقيم القبيلة.
وربما كان شرط استعادة السنة العراقيين للسياسة هو استعادتهم بُعدهم المديني، وذلك ما يتطلب أجلا يفيض عن المهلة التي يوفرها تأجيل الانتخابات.
13:50 Permalink | Comments (0) | Email this
محمود عباس و"العرافاتية"
صالح بشير
المستقبل - الاحد 16 كانون الثاني 2005 - العدد 1807 - نوافذ - صفحة 10
الانتفاضة الفلسطينية الثانية آلت إلى نهايتها. وضعت أوزارها (رسمياً؟) يوم انتخب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، أي يوم انعقد الإجماع الفلسطيني، أو ما يقوم مقامه وإن على نحو تقريبي، حول الرجل الذي كان الأعلى صوتاً، بين قادة منظمة التحرير، في انتقاد "عسكرة الانتفاضة"، وانتقل، بعد وفاة عرفات، ودون أن تقوم بين ذلك الانتقال وتلك الوفاة علاقة سببية بالضرورة، من ناطق بلسان أقلية خجولة ضامرة، أو هكذا كان يوحي ظاهر الحال الفلسطينية، إلى صدارة أغلبية جديدة، احتضنها العالم بالترحاب ما إن أعلنت نتائج الاقتراع الأخير.
الأمور بطبيعة الحال ليست بهذه البساطة، ولكن ذلك هو جوهرها. فتلك الأغلبية الجديدة نسبية جداً بالمعنى العددي، ما دام انتخاب محمود عباس قد تم بحوالي الخمس مئة الف صوت حسب تقديرات البعض، أي بعد استثناء من لم يتسجلوا على اللوائح الانتخابية أصلاً وأولئك الذين أحجموا عن التصويت، استجابة لدعوة حركة المقاومة الاسلامية "حماس" للمقاطعة أو لأسباب أخرى، ناهيك عمن صوتوا لفائدة منافسي مرشح فتح (مصطفى البرغوثي على نحو خاص)، لكن يبقى أن الأغلبية تلك ناجزة بالمعنى السياسي (إذ أن الأرجحية السياسية ليست رديف الأرجحية العددية لزاماً)، طالما أنها تتطابق مع مزاج بات غالباً وتسير في ركابه، متعددة أسبابه وعوامله ومتشابكة، منها ما يعود إلى حالة من الإنهاك، أكسبت مواقف محمود عباس نفاذاً إلى إسماع مواطنيه أو قطاع منهم، ومنها ما يُعلل باستفراد اسرائيل بالانتفاضة، تواجهها بأقصى القسوة في كنف ميزان للقوة بالغ الاختلال وفادحه، ومنها ما يُرد إلى انعقاد اجماع العالم، أي قواه الفاعلة والنافذة، على نبذ العنف وسيلة لحل النزاعات، لا يميز في ذلك بين ظالم ومظلوم، بل ربما كان في نبذه ذاك أكثر إجحافاً ومحاسبة في حق المظلوم.
كما أن الانتقاد "عسكرة الانتفاضة" أمر يتطلب تدقيقاً، فهو ليس أكثر من شعار يختصر توجهاً أو مقاربة، هو بصفته هذه، أي كشعار، يجنح إلى تعميم يبتسر ويتوخى شططاَ يتستر على وقائع عدة، ولكن ذلك هو منطق الاعلام، خصوصاً في زماننا هذا. اذ لا شك في أن محمود عباس يتحفظ على تلك "العسكرة" من حيث الجدوى، أي من حيث مردودها، في الظرف الراهن، على الفلسطينيين، لا من حيث المبدأ، وهو المتأتي من حركة وطنية مارست "الكفاح المسلح" ولم يصدر عنه ما يوحي بأنه يتنكر إلى تاريخه ذاك. لكن أمر هذا الشعار، حتى بهذه الصيغة ومع أخذ العلم بالاستدراك الآنف الذكر، يبقى قابلاً للجدل، فالمشكلة قد لا تتمثل في "عسكرة الانتفاضة"، بقدر ما تتمثل في كيفية تلك "العسكرة" أي في نزوع أعمال العنف إلى شمولية جعلتها لا تميز بين الاسرائيليين، بشراً وفضاءً جغرافياً. بين اسرائيل 1948، تلك التي أقر العالم بأنها مجال الدولة العبرية وسلم لها بالمشروعية بصفتها تلك، وبين الأراضي المحتلة في سنة 1967، تلك التي يُفترض فيها أن تكون هدف التحرير (الآني بالنسبة الى البعض والنهائي بالنسبة الى البعض الآخر، غير ان الخلاف هذا نظري بحث قياساً إلى واقع الحال وإلى ميزان القوة)، كما خلطت بين المدنيين الاسرائيليين وراء "الخط الأخضر"، وبين المحتلين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عسكريين كانوا أم مستوطنين واستهدفتهم جميعاً على "قدم المساواة" في حين كان يتوجب التمييز بينهم، أقله تكتيكياً في نظر من يعتبر أن مهمته لا تقل عن تحرير فلسطين التاريخية، أو بالأحرى والأصح الانتدابية.
المشكلة اذن ليست في "عسكرة الانتفاضة" الثانية في حد ذاتها، خصوصاً وأن هذه الأخيرة، على عكس سابقتها، ولدت معسكرة، إذ يتعين على الفلسطينيين الاحتفاظ بحقهم في مزاولة العنف، بين وسائل أخرى كثيرة، من أجل استعادة حقوقهم، بل أن المشكلة في فوضى ذاك العنف، كما استخدُم خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي عدم استهدائه باستراتيجية سياسية رشيدة، تأخذ في الحسبان ميزان القوة، ناهيك عن المزاج الكوني، ما سهل على أرييل شارون إدراج العنف الفلسطيني، ما كان منه مقاوماً وما كان منه أهوج، في خانة الارهاب، وتلك حجة أضحت دامغة في مخاطبة العالم ورأيه العام منذ صبيحة الحادي عشر من أيلول سنة 2001. علماً بأن العنف ذاك، وفي صيغته تلك، خدم أرييل شارون حيال رأيه العام، اذ اظهره بمظهر المدافع عن أمن الأسرائيليين، في حين كان لانحصار المقاومة المسلحة في الأراضي المحتلة أن يحيله الى مُدافع عن أمن المستوطنين، ومعلوم أن هؤلاء لا يحظون بشعبية كاسحة لدى أوساط واسعة داخل الدولة العبرية.
قد تكون كل هذه الاعتبارات غير غائبة عن ذهن محمود عباس، وهو ينتقد "عسكرة الانتفاضة" ولكنه كان يتوجب عليه أن يُفصح وأن يُحدد، حتى لا يبدو كمن يمحض التفاوض، والتفاوض وحده، مزايا وفضائل سحرية. صحيح أنه قد يجد من الفلسطينيين آذاناً صاغية، وهو يفعل ذلك، لفرط ما كابده هؤلاء من ارهاق خلال السنوات الثلاث الماضية، وقلة أو انعدام ما جنوه من فوائد ومكاسب من تلك المواجهة، مع أنهم خاضوا تجربة التفاوض خلال خلال عقد من الزمن منذ التوقيع على اتفاقات اوسلو وحتى اندلاع الانتفاضة الثانية، ووقفوا على حدودها وأقصى ما يُرجى منها، وهو ضئيل، وقد كان ذلك في عهد العماليين (في اسرائيل) وبيل كلينتون (في الولايات المتحدة)، لا كما هي الحال اليوم، مع وجود ارييل شارون في سدة الحكم في تل أبيب، ووجود جورج بوش الابن ممسكاً بمقاليد الأمور في واشنطن.
عاهة هذه المقاربة، التي يبدو أن محمود عباس آخذ بها (مثله في ذلك مثل الكثيرين والحق يقال) انها تصور الفلسطينيين أو تتصورهم مخيرين بين المقاومة او التفاوض، وأن حل مشكلتهم لا يخرج عن توخي أحد طرفي هذه الثنائية. مشكلة هذه المقاربة انها تغفل عن خصوصية القضية الفلسطينية، وهذه أكثر من أن تكون ظاهرة احتلال، كتلك التي شهدها العالم الثالث خلال الحقبة الاستعمارية بل هي ظاهرة استبدال شعب بشعب، ما يجعل من اعتراف احد الطرفين بالثاني بمثابة النفي للذات. وانطلاقاً من هذه الخصوصية، ربما تعين على الحركة الوطنية الفلسطينية، ان تكافح من أجل التحرير وفي الآن نفسه من أجل جعل الاسرائيليين محتلين، أي من أجل اقرارهم بغربتهم عن أرض سيطروا عليها وليست لهم، والأمر ذاك قد يكون محسوماً في ما يتعلق بقطاع غزة، ولكنه ليس كذلك البتة، أو ليس كذلك تماماً، في ما يتعلق بالضفة الغربية، حيث لا يزال الاسرائيليون يتعاملون بمنطق أصحاب الحق الأصليين، كما يدل حديثهم المستمر عن "التنازلات المؤلمة" كلما تعلق الأمر بالتفاوض حول أرض هي في نظر القانون الدولي محتلة، أي ليست ملكهم حتى يتنازلوا عنها. وتلك الخصوصية هي ما يجعل من العسير الاكتفاء بمجرد المفاضلة بين المقاومة أو التفاوض (إن سلمنا بأن مثل المفاضلة تلك قد قامت واقعاً في يوم الأيام)، كما في حالات الاحتلال الكلاسيكية.
أما في صورة عدم الوعي بذلك، فسيجد محمود عباس نفسه، في أجل قد يقصر أو يطول، عرفاتياً أكثر مما يتصور. إذ ما العرفاتية، وترددها الدائم بين القتال والتفاوض، بين العنف والتسوية، ونزوعها المقيم الى التسويف وارجاء الحسم، إن لم تكن تعبيراً عن تلك الخصوصية المشار اليها، وما لازمها حتى الآن من تعذر النصر العسكري ومن استحالة نيل الحقوق، أو أدناها بالتفاوض؟
13:48 Permalink | Comments (0) | Email this
12/01/2005
انتخابات...
صالح بشير الحياة 2005/01/9
الديموقراطية مقابل السيادة, أو السيادة ثمنا للديموقراطية. لا تُنال هذه إلا بفقدان تلك, ولا تُدرك تلك إلا بالتضحية بهذه.
هذا ما يفصح عنه واقع المنطقة ومجريات أمورها. إذ ستجري الانتخابات الفلسطينية اليوم, وبوسعنا المراهنة أنها ستكون نزيهة وشفافة, إن لم يكن بالكامل وإلى درجة الإطلاق (المتعذر أصلا وفي كل الحالات), فبمقدار كبير وبالغ يضمن لها المصداقية, تحت إشراف العالم ومراقبته. وسيفوز محمود عباس بمنصب الرئاسة, على ما هو مرجح على نحو يكاد يبلغ مبلغ اليقين, على ما أشارت وأمعنت في الإشارة كل استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الآن, لكن فوزه ذاك سيبقى بالتأكيد دون نسبة التسعة وتسعين في المئة (أو ما يزيد عليها أو ينقص) السارية في استفتاءات العرب, التي تتسمى, زورا وتجاوزا, بالانتخابات.
كما يتوقع أن تجري الانتخابات العراقية في موفى هذا الشهر, بعد أن صمّت الولايات المتحدة, القوة المحتلة والقابضة على مقاليد السيادة في بلاد الرافدين, آذانها عن الدعوات المطالبة, مُحقّةً, بتأجيلها, مع أن الدعوات تلك لم تصدر فقط عمن يسهل وصفهم بالتطرف والإرهاب, بل كذلك عن "معتدلين" وعن "واقعيين", فئات سياسية أو شخصيات, من قبيل عدنان الباجه جي, الذي كان عضوا في مجلس الحكم الانتقالي, أو عن الشيخ غازي الياور, رئيس الدولة العراقية, أو ما يقوم مقامها, في الحكومة المؤقتة الحالية. وفي هذه الحالة أيضاً, ليس من المستبعد أيضا أن يجري الاقتراع تعدديا ولا تعوزه النزاهة, أقله قياسا إلى معدل الانتخابات في بلدان المنطقة, غير الخاضعة لاحتلال مباشر.
والملمح الجامع بين الانتخابات الفلسطينية الجارية اليوم, ونظيرتها العراقية المزمعة, يتمثل بطبيعة الحال في تنظيمهما في كنف الاحتلال وفي ظله, فهل بين الأمرين, بين الاحتلال وبين النزاهة النسبية للانتخابات, من علاقة سببية؟ يبدو, مع الأسف, أن نعم.
لا يقال ذلك من باب تزيين الاحتلال أو تبريره, لا ذلك الإسرائيلي الغاشم للأراضي الفلسطينية, ولا ذلك الأميركي المنافي للقوانين وللأعراف الدولية للعراق. بل أننا ممن يرون أن حرية الأوطان واستقلال الشعوب, تُمثلان الحرية الأولى والمؤسِّسة والتي لا يمكن أن "تشتريها" أو تعوض عنها حريات أخرى, ربما عُدّت بهذا المقياس دونها, مهما تسامت وبوّأتها مرجعيات فكرية أو فلسفات سياسية بعينها منزلة الصدارة والأولوية. إذ يبقى استقلال الشعوب وانعتاقها الأساس الذي يجب أن تقوم عليه كل الحريات, الفردية والجماعية.
لكن الإقرار بهذا المبدأ وتنزيله منزلة اليقين الأوليّ, لا يجب أن يدفعنا إلى الإحجام عن تعيين واقعة أساسية, بل هو على العكس من ذلك يتطلب منا مثل ذلك التعيين ويفرضه فرضاً. والواقعة تلك تفيدنا, بصراحة جارحة قاسية, أن أفضل الانتخابات العربية, هي تلك التي تجري تحت الاحتلال, أو تحت إشراف العالم ووصايته. إذ أن ما من شأنه أن يؤخذ على الاقتراعين الفلسطيني والعراقي هو إجراؤهما تحت الاحتلال, تحت سقف اتفاقيات أوسلو كما يقول المعترضون على الاقتراع الأول, وفي كنف السيطرة الأميركية كما يقول المعترضون على الاقتراع الثاني. أي أن الاعتراضين على أساس مبدئي في الحالتين. لكن المآخذ تلك لن تطال الجانب الإجرائي من تلك الانتخابات, أو لن تفعل ذلك إلا قليلا, أقله إذا ما قيست تلك الاستشارات الشعبية بنظيراتها في بلدان المنطقة أو في سوادها الأعظم.
وفي الأمر هذا ما يمثل أبلغ علامات إخفاقات أنظمة الاستقلال العربية (ناهيك عن إخفاقاتها الكثيرة الأخرى في مجالات التنمية والتعليم وما إليها الكثير), إذ جعلت من السيادة (وهذه في واقع حالها نسبية) نقيضا للديموقراطية نافية لها, عمليا وكما تشهد تجربة العقود الماضية, وبقطع النظر عن كل "خطاب" دعائي يزعم عكس ذلك.
ومحصلة كل هذا أننا أمام خيار مُزرٍ بقدر ما هو مأسوي: فإما ديموقراطية, قد تكون سليمة من الناحية الإجرائية, وقد تضمن الحرية الشخصية, أقله لمن يقبل الاندراج فيها, لكنها مُعاقة روحاً, إذ تقوم على الخضوع لمشيئة الأجنبي, سواء كان الأجنبي محتلا أو ضاغطا طويل الباع نافذ السطوة, وإما "افتداء" سيادة الوطن واستقلاله, بالحريات الفردية الأساسية وبذل تلك الحريات دونهما. إما أن يتخلى الفرد (إن افترضناه مخيّرا) عن حريته الشخصية مقابل سيادة وطنه, أو أن يضحي بهذه الأخيرة في سبيل انعتاقه كفرد مواطن. أي أن كل المتاح هو المفاضلة بين "خيانتين".
وبديهي أن أوطاناً لا تتيح لأبنائها غير مفاضلة من هذا القبيل هي أوطان بلغت أدنى دركات الإخفاق ومنتهى الفشل, إذ هي لا تعدهم إلا بأحد أفقين: سيادة تقترن بالاستبداد, اقترانا مكينا على ما دلت التجربة حتى الآن, أو ديموقراطية يفرضها الخارج, لأسبابه ولدوافعه, احتلالا مباشرا أو إملاء وضغطا. بطبيعة الحال, لا دعاة السيادة يسدون خدمة إلى هذه الأخيرة إذ يربطونها بالاستبداد فيجعلونها سجناً للشعوب, قد يدفعها اليأس إلى الاستنجاد بالأجنبي للخلاص منه, ولا أنصار الديموقراطية يرسيها الأجنبي يخدمون فكرة الديموقراطية إذ يرهنونها بإرادة خارجية, فيجعلون ثمنها باهظا, علما بأن من بين المعوقات التي وقفت طويلا في وجه الديموقراطية في بلداننا وشوهت سمعتها لفترة من الزمن بعد الاستقلال, إنما كان الاستعمار الأوروبي وطريقته في ممارسة "الديموقراطية" في المستعمرات. فهو كثيرا ما تنكر لها, أو تلاعب بها وزوّرها, أو زاولها على نحو تمييزي عنصري, أحيانا في حق من كانوا يُعتبرون من "مواطنيه", شأن المسلمين الجزائريين, عندما كانت بلادهم مقاطعة فرنسية, يسري عليها, نظريا, ما كان يسري على مقاطعات المتروبول.
لا خلاص إذاً, إلا بتخليص فكرة السيادة من الاستبداد, وبتحرير فكرة الديموقراطية من الإرادة الأجنبية, والتوصل إلى مقاربة تزاوج بين السيادة والديموقراطية, تجعل من هذه الأخيرة, بوصفها التعبير عن الإرادة الشعبية, حصانة للأولى ودرعا لها" لكن من يمكنه أن يفعل ذلك؟ هذه الأنظمة, والاستبداد فيها طبيعة وجبلّة وعلة وجود؟ أم معارضاتنا, وهي تتوزع بين قوى, نافذة شعبياً لكنها قليلة الحفول بالديموقراطية, تسعى إلى استبداد بديل, وبين أخرى أدنى تأثيراً وأقدر على مخاطبة الخارج منها على مخاطبة جمهورها الداخلي المفترض؟
إذا كان الأمر كذلك, فالأرجح أن نراوح طويلا أمام تلك المفاضلة البائسة الآنفة الذكر.
09:42 Permalink | Comments (0) | Email this
تسونامي أو مزج الكياني بالكوني
صالح بشير
المستقبل - الاحد 9 كانون الثاني 2005 - العدد 1800 - نوافذ - صفحة 12
...بل قد تكون مسؤولية الإنسان أفدح من مسؤولية الطبيعة. فالزلزال، وقد بلغ من فرادته أن حظي باسم علم، تسونامي، يميّزه، جدّ في قلب المحيط وفي أعماقه السحيقة، بعيداً نائياً عن عمران البشر واجتماعهم وعن منشآتهم وتجمعاتهم في تلك الأصقاع المكتظة من جنوب آسيا، وكان يمكن لنتائجه أن تكون محدودة أو أقل دماراً، أو كان يمكن لدماره أن ينال من الأشياء دون البشر، أن يتلف الممتلكات دون الأرواح أو أن يقتصر على القليل منها، لولا تقصير من يُفترض فيهم السهر على أمن الكون، دولاً كبرى أو صغرى وهيئات دولية ومؤسسات علمية وما إليها.
ما كان قاتلاً فتاكاً مدمراً على ذلك النحو القيامي الذي شهدناه ليس الزلزال، على الرغم من بلوغه أقصى درجات سلّم "ريختر"، بل أمواجه ومدّه البحري، وهذه كان يمكن اتقاؤها أو اتقاء أفدح مفاعيلها، بأدنى الجهد وبالقليل من التنسيق، إذ أن المد المائي ذاك كان قد ترك متسعاً من وقت، بين انطلاقه من بؤرته الزلزالية وبلوغه تجمعات البشر على ضفاف المحيط الهندي وجزره المأهولة، تراوح بين الساعتين والست ساعات، كان يمكن استغلالها لإجلاء السكان ولنقلهم الى المرتفعات، أو لحضهم على ذلك، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. خلال ما جدّ في تلك الآلة الكونية الضخمة، أجهزة ترصد وتحسّب ووسائل اتصالات، حال دون ذلك، أم أن الآلة تلك لم تكن، في حقيقة أمرها وعلى ما دلّت هذه الكارثة الكاشفة الفاضحة، كما كنا نتصورها أو كما صوّرت نفسها للعالمين؟ إذ كيف يمكن لانعدام التواصل أن يودي بذلك العدد الهائل من الضحايا في زمننا هذا، زمن الاتصالات بامتياز على ما يزعمون؟
البعض اهتدى الى إجابة شافية عن هذا السؤال أو خيّل له ذلك، إذ ذكّر بأن كثرة ساحقة من أبناء إنسانيتنا المعاصرة (والصفة هذه لا ترادف الحداثة ضرورة ولزاماً)، في تلك الأصقاع الآسيوية وفي سواها من أصقاع الأرض، لا تزال ترسف في زمن ما قبل صناعي، لا تعرف الكهرباء، ولا ألفت التلفزيون ولا أجرت يوماً اتصالاً هاتفياً، تفصلها عن "البشرية المتقدمة" فجوة لا تنحصر في تلك الرقمية، فتعذر إنذارها. ذلك صحيح بالتأكيد، ولكن هل يستوي تفسيراً أوحد لذلك القصور أو التقصير؟ أغلب الظن أن لا، ما دام المدّ المائي قد باغت أيضاً، بل باغت أولاً، من كانوا في حواضر السواحل ومنتجعاتها، من أهالي ومن سياح وافدين، تربطهم بالعالم الخارجي وبعصر الاتصالات هذا ألف وشيجة وسبب، بل قد نكتشف يوماً أن عدد الضحايا بين هؤلاء أكبر منه بين أفراد تلك الإنسانية ما قبل الحديثة، تلك التي لا تزال تربطها بالطبيعة آصرة مباشرة وتلقائية، دون وساطة الآلة، تجعلها أقدر على "قراءة" بيئتها أو على الحدس بها، تستشعر مخاطرها من مراقبة سلوك طيور السماء ودواب الأرض.
ثم إن التقصير ذاك لا يُفسر بالإهمال، أو بقلة اكتراث الأقوياء والأغنياء، بمآل بلدان فقيرة أو لا يُحسب لها حساب في ميزان القوة والسطوة. يصح ذلك لو تعلق الأمر بكارثة محلية، عينية ومنحصرة زماناً ومكاناً، حسب العالم الخارجي أن يبرئ الذمة حيالها بالتبرع والصدقات، لكن تسونامي خَطْبٌ وحداد كونيان، ليس فقط من حيث حجمه ولكن كذلك من حيث طبيعته. حدوثه في منطقة يتوافد عليها السياح، خصوصاً في هذا الفصل وفي فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، جعل ضحاياه من جميع أنحاء العالم، حتى وصفه أحدهم، سعياً الى التأكيد على كونية تلك الواقعة وإن ببعض الشطط في القول ربما، بأنه عبارة عن "11 أيلول (سبتمبر) من ارتكاب الطبيعة"، نال من جميع شعوب الأرض، وإن بدرجات متفاوتة، وفي ذلك ما يوحي بأن التقصير ليس ناجماً عن قلة الاكتراث بكارثة تصيب الآخرين، أي أنه ليس أناني الدوافع بالضرورة.
بل إن التقصير ذاك ربما كان مرده الى ما هو أفدح، بمعنى أنه ربما كان بنيوياً وتكوينياً في نظرة دول، خصوصاً تلك الكبرى منها، لا تزال حولاء في تقدير المخاطر، لا ترى منها إلا ما كان من طبيعة أمنية (وإن اتسع الأمني ذاك ليشمل الاقتصادي ناهيك عن السياسي والعسكري)، أي ما كان مصدره، الفعلي أو المحتمل، قوى تنتظم في دول أو في حركات، وتستهدف المصالح الوطنية أو الكيان. ذلك ما يفسر مثلاً أن دولة كالولايات المتحدة، لا تتردد في توفير أقصى الإمكانات المالية والعسكرية والسياسية، في مواجهة ذلك الضرب من المخاطر، شأن ما تفعله في حملتها الكونية ضد الإرهاب، أو في مغامرتها العراقية، ولكنها قد تتلكأ وقد تتردد وقد تبخل، بالمال أو بالتكنولوجيا، حيال كارثة من قبيل تسونامي، حتى وُجه اليها أقسى الانتقاد في ذلك.
فالدول، وتلك الكبرى منها تخصيصاً، لا زالت تفكر وتتصرف وفق المنطق الكياني التقليدي، أو سمّه الكلاسيكي إن شئت، لا زالت تعتبر أن المخاطر، تلك التي يمكنها أن تكون مجال الفعل السيادي، لا تتمثل إلا في تلك الصادرة عن قوى منافسة، على هيئة حروب أو احتمالات حروب من هذا الشكل أو ذاك، وما زالت قاصرة عن إدراك أن المخاطر في هذا الزمن المعولم، باتت أوسع مدى، لا تنحصر في ضرب منها بعينه، بل أضحت من مستويات عدة، بيئية وصحية وما إليها، وكذلك المسؤولية في التعاطي معها.
ولأن الدول لا زالت دون القدرة على إدراك هذه المستجدات، وهو ما يتطلب تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية، فإنها قد تصرف من الإمكانات ما لا حدود له في ترصّد تحركات المجموعات الإرهابية مثلاً، ولا تبذل إلا القليل في رصد ما يعتمل في باطن الأرض من دمار ساحق ماحق، أو هي إن فعلت أخفقت في الإنذار وفي التحسب أو تقاعست عنهما، مع أن التكنولوجيا في وارد الاضطلاع بتلك المهمة على أكمل وجه. وذلك مع العلم بأن الأضرار الناجمة عن كارثة مثل كارثة تسونامي أثقل وطأة بما لا يقاس من كل ما يمكن للإرهاب (بما في ذلك عدوان الحادي عشر من أيلول) أن يتسبب به، ليس فقط على صعيد الضحايا من بني البشر، ولكن كذلك على صعيد زعزعة الكيانات القائمة وانخرام بُناها وتبعات ذلك على الجوار القريب والبعيد وعلى الاستقرار العالمي، وعلى صعيد إرباك الاقتصاد العالمي والنيل منه بليغاً وعلى نحو يجعل آثاره لا توفر أحداً وتهزأ بالحدود وبالمسافات وبالمناعة الجغرافية...
ففي زمننا هذا، لم يعد هناك من كارثة محلية، حتى وإن كانت دون تسونامي حجماً ومدى، ولم يعد هناك من وباء ينحصر في موضع من هذا العالم، يكفي توخي "الكارنتينا"، كما كان يجري في السابق، للوقاية منه. كل تلك الظواهر باتت كونية انتشاراً وآثاراً، وتشكل مخاطر من قبيل سياسي في مؤداها الأخير، ومشتركاً ما عادت النظرة التقليدية للدولة ولوظيفتها، ينحصر دورها في مواجهة ما كان من المخاطر قابلاً للقراءة وفق الأقانيم الاستراتيجية الكلاسيكية، يفي في معالجتها، ناهيك عن الاكتفاء بالتبرع وببذل المساعدات الإنسانية.
ولعل أبلغ ما دلّت عليه كارثة تسونامي هو، تحديداً، ذلك التفاوت بين عولمة المخاطر، وثبات الدول، بما فيها الإمبراطوريات الزاعمة لنفسها نفوذاً ومسؤوليات كونية، على انكفائها التقليدي، تعجز عن مزاوجة الكياني بالكوني، حتى في ما يمثل مصالحها.
09:39 Permalink | Comments (0) | Email this


