28/01/2005

كونداليسا رايس وزيرةً...

المستقبل - الاحد 23 كانون الثاني 2005 - العدد 1812 - نوافذ - صفحة 11


صالح بشير


بدت كونداليسا رايس، لدى مثولها خطيبة امام الكونغرس، تحدد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية خلال السنوات الأربع المقبلة، "باولية" اكثر من سلفها كولن باول. استعادت نبرة الاخير وكلامه، او ما كان يعتبر من عناصر تمايزه داخل ادارة بوش الأولى، فأجابت بذلك، من حيث لا تقصد ربما، على سؤال كثيرا ما تردد طوال الاعوام الأربعة الفائتة: هل ان التمايز المنسوب الى باول كان حقيقيا، ينبئ عن وجود تيارات داخل حكومة القوة العظمى الكونية الوحيدة، ام انه لم يكن اكثر من اختلاف في الاسلوب، تفرضه طبيعة الدور الموكل اليه، اي مخاطبة العالم، ام ان التمايز ذلك كان مفترضا او متوهما من قبل العالم الخارجي، العاجز في مواجهة سطوة واشنطن البوشية وتفردها، فلا يرى الخلاص الا في تباين، مرجو ومن قبيل الاماني اكثر مما كان واقعا، داخل ادارتها؟
كان حريا بسلوك كولن باول طوال سنوات تقلده دبلوماسية الولايات المتحدة ان يكون في ذلك الصدد دالا بليغا. فالتمايز المنسوب الى الرجل، لم يثن ادارة بوش عن تفرد ارتأته واقدمت عليه، في العراق او في النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني او في اي شأن دولي آخر، بل ان باول كان طرفا نشيطا في كل ذلك كلما دعت الحاجة واقتضت الوظيفة، فكان ان وقف، مثلا لا حصرا، امام الملأ العالمي، في الامم المتحدة، يعرض "ادلة" امتلاك نظام صدام حسين اسلحة الدمار الشامل، ويبشر بها مسوغا لا يقبل الدحض لضرورة محاربته.
غير ان مداخلة كونداليسا رايس امام الكونغرس، لنيل موافقته على توليها الخارجية، هي ما قد ينهي الجدل، ويقطع الشك باليقين، في ذلك الصدد. اذ هي دلت على ان كلام باول يمكن ان تتفوه به رايس، وهي من هي تشددا والتصاقا برئيسها يبلغ مبلغ التماهي والاصدق تعبيرا عن "رؤيته" لشؤون العالم. فقد الحت رايس على ضرورة التشاور مع الحلفاء والتعاون معهم، فاستدرت بذلك تفاؤلا، متسرعا في رأينا، من بعض الصحافة الاوروبية، بل ذهبت الى حد التلميح بان ادارة بوش الثانية ستكون ادارة "دبلوماسية" بقدر ما كانت الأولى ادارة "حربية". صحيح ان وزيرة الخارجية الجديدة قد اصرت على "الثيمات" الاساسية لسياسة بوش الخارجية، في ما يخص العراق ومحاربة "الدول المارقة" (علما بأن المصطلح هذا قد سحب، الى حد ما، من التداول منذ بعض الوقت) ومن مضي في نشر الديموقراطية، على نحو ما رأينا حتى الان على الارجح، ووصفت المنظمات الفلسطينية بـ "العصابات"، الى ما سوى ذلك من اقانيم ومظاهر التشدد التي تسم البوشية، الا انها، من وجه آخر، اوحت بأن ليس في كل ذلك ما لا يمكن التفاهم بشأنه، او السعي الى التفاهم بشأنه، مع حلفاء الولايات المتحدة وسواهم.
وكل ذلك يدل على ان المشكلة ليست في الكلام، ما دام يمكن لـ "الحمامة" المفترضة، كولن باول، ولـ "الصقر"، كونداليسا رايس، ان يتفوها بما كان منه متماثلا او يكاد، بل ان المشكلة تلك تكمن في دلالات الكلام وفي ما يراد منه. وعلى هذا الصعيد، اي على صعيد الدلالات، يسعنا القول ان البوشية، سواء تولى النطق بلسانها كولن باول او كونداليسا رايس، وسواء "نظر" لها محافظ جديد او محافظ تقليدي، قد ادخلت على "الخطاب" الدولي تغييرات جوهرية وثورية، تطال مفاهيمه المؤسسة.
خذ مثلا مفهوم "نشر الديموقراطية" على الصعيد الكوني، ناهيك عن "الشرق الأوسط الكبير". من حيث المبدأ، لا احد، عدا المستبدين بطبيعة الحال، يخالف الولايات المتحدة في ذلك، بل ان الامر ذاك، كان حلما ساور الكثيرين، على نحو طوباوي احيانا مسرف في التفاول الساذج غالبا، غداة الحرب الباردة وانهيار الاستبداد الشيوعي، وذلك منذ ان كان جورج بوش الابن، الذي انتحل ابوته لذلك المطلب وادعاها على نحو غير شرعي، رجل اعمال منصرفا الى مراكمة المال او سياسيا محليا مولعا بانفاذ احكام الاعدام.
الحقيقة ان جورج بوش الابن، والمحيطين به من محافظين جدد وقدامى، قد سطوا على ذلك المفهوم ليجندوه في ما لا شأن له به، اذ اقاموا ضربا من التناقض الجذري، ومن المنافاة التامة، بين سيادة الاوطان وبين تنعمها بالديموقراطية. صحيح ان التذرع بالسيادة الوطنية كثيرا ما كان اداة في يد المستبدين للبطش بشعوبهم، لكن الواقعة تلك لا تدحض السيادة في ذاتها، وهي التي يفترض فيها ان تكون اساس المعمار الدولي ومبدأ التعايش بين الامم ومستنده، بل يفضح فقط توسلها على ذلك النحو المزري، تماما كما ان "نشر الديموقراطية"، ليس مرفوضا كهدف نبيل في ذاته، بل من حيث استخدامه مسوغا لسياسات هيمنة واحتلال كتلك التي تتوخاها الولايات المتحدة، في طورها البوشي الراهن على نحو خاص.
مصداق ذلك ما نراه في فلسطين والعراق، حيث جرت وستجري انتخابات، ديموقراطية او على قدر من ديموقراطية، في كنف الاحتلال، الاسرائيلي بدعم اميركي في الحالة الأولى، والاميركي، صراحة ودون وسائط في الحالة الثانية. وما اريد البرهنة عليه في الحالتين، اللتين تكادان تمثلان التجربتين العربيتين الوحيدتين في الانتقال الى الديموقراطية، ان بلوغ هذه الاخيرة لا يمكنه ان يتحقق الا مع الحرمان من السيادة، وانها هي الشرط الشارط لاستعادة السيادة او لاجتراحها، وان كان الاحتمال الاخير هذا افتراضياً بالغ الافتراضية.
مؤدى هذا المنطق، اذا ما دفع نحو مآلاته القصوى والاخيرة، ان السيادة باتت مشروطة بالديموقراطية، وان ذلك يمثل مبدأ جديدا تريد الولايات المتحدة ارساءه اساسا للمعمار العالمي الجديد او للنظام العالمي الجديد، ما قد يجعل من الحالتين العراقيتين سابقتين في هذا الصدد، لا استثناءان يحفظان ولا يقاس عليهما. وذلك ما تكاد واشنطن تفصح عنه جهارا، ان من خلال ما اسمته بـ "مشروع الشرق الأوسط"، وهذا يخص جزءا شاسعا من العالم، وان من خلال تصريحات جورج بوش الاخيرة، والتي تزامنت تقريبا مع ما كانت وزيرته للخارجية تدلي به امام الكونغرس، من ان حروبا اخرى قد تخاض ضد "الدول المارقة"، على شاكلة تلك التي استهدفت العراق.
ومن حيث المبدأ مرة أخرى، قد يوجد ما يحول دون اعتماد الديموقراطية شرطا للسيادة، يحد من غلواء هذه الاخيرة كلما اتخذت مطية للاستبداد، لكن المشكلة ان مثل ذلك يبقى مجرد مفاضلة نظرية، متعذرة التحقيق فعليا وعمليا، اقله في اطار الاستراتيجية الاميركية، وذلك لسببين اساسيين على الاقل، اولهما تناقض الديموقراطية مع الاحتلال جوهرا، اذ ان الديموقراطية تفترض السيادة الشعبية، وهذه مجالها ومادتها وقاعدتها السيادة الوطنية، وثانيهما ان تاريخ العالم لم يعهد حتى الان محتلين (علما بأن الاحتلال غلبة وهو لذلك يخضع الى منطق القوة وينطق به) بلغ بهم الايثار ان توقف دورهم عند الارتقاء بالشعوب الخاضعة الى سوية ديموقراطية، ثم الانسحاب بعد اداء تلك المهمة الجليلة. لذلك، فان ديموقراطية من هذا النوع، محكوم عليها بالبقاء دون السيادة، لا يمكنها ان تفضي الا الى ضروب مختلفة، باختلاف الاوضاع والحالات، من الحكم المحلي، لا تتعدى تمكين الخاضعين للاحتلال من تسيير ما كان من شؤونهم يوميا اجرائيا، اي ما هو دون السياسة.
واذ كان هذا هو جوهر السياسة الاميركية، كما يدل عليه هذا المثال، فما الفارق ان نطقت به "حمامة" (مزعومة) مثل كولن باول، او صدح به "صقر" مثل كونداليسا رايس؟

The comments are closed.