20/01/2005
محمود عباس و"العرافاتية"
صالح بشير
المستقبل - الاحد 16 كانون الثاني 2005 - العدد 1807 - نوافذ - صفحة 10
الانتفاضة الفلسطينية الثانية آلت إلى نهايتها. وضعت أوزارها (رسمياً؟) يوم انتخب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، أي يوم انعقد الإجماع الفلسطيني، أو ما يقوم مقامه وإن على نحو تقريبي، حول الرجل الذي كان الأعلى صوتاً، بين قادة منظمة التحرير، في انتقاد "عسكرة الانتفاضة"، وانتقل، بعد وفاة عرفات، ودون أن تقوم بين ذلك الانتقال وتلك الوفاة علاقة سببية بالضرورة، من ناطق بلسان أقلية خجولة ضامرة، أو هكذا كان يوحي ظاهر الحال الفلسطينية، إلى صدارة أغلبية جديدة، احتضنها العالم بالترحاب ما إن أعلنت نتائج الاقتراع الأخير.
الأمور بطبيعة الحال ليست بهذه البساطة، ولكن ذلك هو جوهرها. فتلك الأغلبية الجديدة نسبية جداً بالمعنى العددي، ما دام انتخاب محمود عباس قد تم بحوالي الخمس مئة الف صوت حسب تقديرات البعض، أي بعد استثناء من لم يتسجلوا على اللوائح الانتخابية أصلاً وأولئك الذين أحجموا عن التصويت، استجابة لدعوة حركة المقاومة الاسلامية "حماس" للمقاطعة أو لأسباب أخرى، ناهيك عمن صوتوا لفائدة منافسي مرشح فتح (مصطفى البرغوثي على نحو خاص)، لكن يبقى أن الأغلبية تلك ناجزة بالمعنى السياسي (إذ أن الأرجحية السياسية ليست رديف الأرجحية العددية لزاماً)، طالما أنها تتطابق مع مزاج بات غالباً وتسير في ركابه، متعددة أسبابه وعوامله ومتشابكة، منها ما يعود إلى حالة من الإنهاك، أكسبت مواقف محمود عباس نفاذاً إلى إسماع مواطنيه أو قطاع منهم، ومنها ما يُعلل باستفراد اسرائيل بالانتفاضة، تواجهها بأقصى القسوة في كنف ميزان للقوة بالغ الاختلال وفادحه، ومنها ما يُرد إلى انعقاد اجماع العالم، أي قواه الفاعلة والنافذة، على نبذ العنف وسيلة لحل النزاعات، لا يميز في ذلك بين ظالم ومظلوم، بل ربما كان في نبذه ذاك أكثر إجحافاً ومحاسبة في حق المظلوم.
كما أن الانتقاد "عسكرة الانتفاضة" أمر يتطلب تدقيقاً، فهو ليس أكثر من شعار يختصر توجهاً أو مقاربة، هو بصفته هذه، أي كشعار، يجنح إلى تعميم يبتسر ويتوخى شططاَ يتستر على وقائع عدة، ولكن ذلك هو منطق الاعلام، خصوصاً في زماننا هذا. اذ لا شك في أن محمود عباس يتحفظ على تلك "العسكرة" من حيث الجدوى، أي من حيث مردودها، في الظرف الراهن، على الفلسطينيين، لا من حيث المبدأ، وهو المتأتي من حركة وطنية مارست "الكفاح المسلح" ولم يصدر عنه ما يوحي بأنه يتنكر إلى تاريخه ذاك. لكن أمر هذا الشعار، حتى بهذه الصيغة ومع أخذ العلم بالاستدراك الآنف الذكر، يبقى قابلاً للجدل، فالمشكلة قد لا تتمثل في "عسكرة الانتفاضة"، بقدر ما تتمثل في كيفية تلك "العسكرة" أي في نزوع أعمال العنف إلى شمولية جعلتها لا تميز بين الاسرائيليين، بشراً وفضاءً جغرافياً. بين اسرائيل 1948، تلك التي أقر العالم بأنها مجال الدولة العبرية وسلم لها بالمشروعية بصفتها تلك، وبين الأراضي المحتلة في سنة 1967، تلك التي يُفترض فيها أن تكون هدف التحرير (الآني بالنسبة الى البعض والنهائي بالنسبة الى البعض الآخر، غير ان الخلاف هذا نظري بحث قياساً إلى واقع الحال وإلى ميزان القوة)، كما خلطت بين المدنيين الاسرائيليين وراء "الخط الأخضر"، وبين المحتلين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عسكريين كانوا أم مستوطنين واستهدفتهم جميعاً على "قدم المساواة" في حين كان يتوجب التمييز بينهم، أقله تكتيكياً في نظر من يعتبر أن مهمته لا تقل عن تحرير فلسطين التاريخية، أو بالأحرى والأصح الانتدابية.
المشكلة اذن ليست في "عسكرة الانتفاضة" الثانية في حد ذاتها، خصوصاً وأن هذه الأخيرة، على عكس سابقتها، ولدت معسكرة، إذ يتعين على الفلسطينيين الاحتفاظ بحقهم في مزاولة العنف، بين وسائل أخرى كثيرة، من أجل استعادة حقوقهم، بل أن المشكلة في فوضى ذاك العنف، كما استخدُم خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي عدم استهدائه باستراتيجية سياسية رشيدة، تأخذ في الحسبان ميزان القوة، ناهيك عن المزاج الكوني، ما سهل على أرييل شارون إدراج العنف الفلسطيني، ما كان منه مقاوماً وما كان منه أهوج، في خانة الارهاب، وتلك حجة أضحت دامغة في مخاطبة العالم ورأيه العام منذ صبيحة الحادي عشر من أيلول سنة 2001. علماً بأن العنف ذاك، وفي صيغته تلك، خدم أرييل شارون حيال رأيه العام، اذ اظهره بمظهر المدافع عن أمن الأسرائيليين، في حين كان لانحصار المقاومة المسلحة في الأراضي المحتلة أن يحيله الى مُدافع عن أمن المستوطنين، ومعلوم أن هؤلاء لا يحظون بشعبية كاسحة لدى أوساط واسعة داخل الدولة العبرية.
قد تكون كل هذه الاعتبارات غير غائبة عن ذهن محمود عباس، وهو ينتقد "عسكرة الانتفاضة" ولكنه كان يتوجب عليه أن يُفصح وأن يُحدد، حتى لا يبدو كمن يمحض التفاوض، والتفاوض وحده، مزايا وفضائل سحرية. صحيح أنه قد يجد من الفلسطينيين آذاناً صاغية، وهو يفعل ذلك، لفرط ما كابده هؤلاء من ارهاق خلال السنوات الثلاث الماضية، وقلة أو انعدام ما جنوه من فوائد ومكاسب من تلك المواجهة، مع أنهم خاضوا تجربة التفاوض خلال خلال عقد من الزمن منذ التوقيع على اتفاقات اوسلو وحتى اندلاع الانتفاضة الثانية، ووقفوا على حدودها وأقصى ما يُرجى منها، وهو ضئيل، وقد كان ذلك في عهد العماليين (في اسرائيل) وبيل كلينتون (في الولايات المتحدة)، لا كما هي الحال اليوم، مع وجود ارييل شارون في سدة الحكم في تل أبيب، ووجود جورج بوش الابن ممسكاً بمقاليد الأمور في واشنطن.
عاهة هذه المقاربة، التي يبدو أن محمود عباس آخذ بها (مثله في ذلك مثل الكثيرين والحق يقال) انها تصور الفلسطينيين أو تتصورهم مخيرين بين المقاومة او التفاوض، وأن حل مشكلتهم لا يخرج عن توخي أحد طرفي هذه الثنائية. مشكلة هذه المقاربة انها تغفل عن خصوصية القضية الفلسطينية، وهذه أكثر من أن تكون ظاهرة احتلال، كتلك التي شهدها العالم الثالث خلال الحقبة الاستعمارية بل هي ظاهرة استبدال شعب بشعب، ما يجعل من اعتراف احد الطرفين بالثاني بمثابة النفي للذات. وانطلاقاً من هذه الخصوصية، ربما تعين على الحركة الوطنية الفلسطينية، ان تكافح من أجل التحرير وفي الآن نفسه من أجل جعل الاسرائيليين محتلين، أي من أجل اقرارهم بغربتهم عن أرض سيطروا عليها وليست لهم، والأمر ذاك قد يكون محسوماً في ما يتعلق بقطاع غزة، ولكنه ليس كذلك البتة، أو ليس كذلك تماماً، في ما يتعلق بالضفة الغربية، حيث لا يزال الاسرائيليون يتعاملون بمنطق أصحاب الحق الأصليين، كما يدل حديثهم المستمر عن "التنازلات المؤلمة" كلما تعلق الأمر بالتفاوض حول أرض هي في نظر القانون الدولي محتلة، أي ليست ملكهم حتى يتنازلوا عنها. وتلك الخصوصية هي ما يجعل من العسير الاكتفاء بمجرد المفاضلة بين المقاومة أو التفاوض (إن سلمنا بأن مثل المفاضلة تلك قد قامت واقعاً في يوم الأيام)، كما في حالات الاحتلال الكلاسيكية.
أما في صورة عدم الوعي بذلك، فسيجد محمود عباس نفسه، في أجل قد يقصر أو يطول، عرفاتياً أكثر مما يتصور. إذ ما العرفاتية، وترددها الدائم بين القتال والتفاوض، بين العنف والتسوية، ونزوعها المقيم الى التسويف وارجاء الحسم، إن لم تكن تعبيراً عن تلك الخصوصية المشار اليها، وما لازمها حتى الآن من تعذر النصر العسكري ومن استحالة نيل الحقوق، أو أدناها بالتفاوض؟
13:48 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.