12/01/2005
تسونامي أو مزج الكياني بالكوني
صالح بشير
المستقبل - الاحد 9 كانون الثاني 2005 - العدد 1800 - نوافذ - صفحة 12
...بل قد تكون مسؤولية الإنسان أفدح من مسؤولية الطبيعة. فالزلزال، وقد بلغ من فرادته أن حظي باسم علم، تسونامي، يميّزه، جدّ في قلب المحيط وفي أعماقه السحيقة، بعيداً نائياً عن عمران البشر واجتماعهم وعن منشآتهم وتجمعاتهم في تلك الأصقاع المكتظة من جنوب آسيا، وكان يمكن لنتائجه أن تكون محدودة أو أقل دماراً، أو كان يمكن لدماره أن ينال من الأشياء دون البشر، أن يتلف الممتلكات دون الأرواح أو أن يقتصر على القليل منها، لولا تقصير من يُفترض فيهم السهر على أمن الكون، دولاً كبرى أو صغرى وهيئات دولية ومؤسسات علمية وما إليها.
ما كان قاتلاً فتاكاً مدمراً على ذلك النحو القيامي الذي شهدناه ليس الزلزال، على الرغم من بلوغه أقصى درجات سلّم "ريختر"، بل أمواجه ومدّه البحري، وهذه كان يمكن اتقاؤها أو اتقاء أفدح مفاعيلها، بأدنى الجهد وبالقليل من التنسيق، إذ أن المد المائي ذاك كان قد ترك متسعاً من وقت، بين انطلاقه من بؤرته الزلزالية وبلوغه تجمعات البشر على ضفاف المحيط الهندي وجزره المأهولة، تراوح بين الساعتين والست ساعات، كان يمكن استغلالها لإجلاء السكان ولنقلهم الى المرتفعات، أو لحضهم على ذلك، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. خلال ما جدّ في تلك الآلة الكونية الضخمة، أجهزة ترصد وتحسّب ووسائل اتصالات، حال دون ذلك، أم أن الآلة تلك لم تكن، في حقيقة أمرها وعلى ما دلّت هذه الكارثة الكاشفة الفاضحة، كما كنا نتصورها أو كما صوّرت نفسها للعالمين؟ إذ كيف يمكن لانعدام التواصل أن يودي بذلك العدد الهائل من الضحايا في زمننا هذا، زمن الاتصالات بامتياز على ما يزعمون؟
البعض اهتدى الى إجابة شافية عن هذا السؤال أو خيّل له ذلك، إذ ذكّر بأن كثرة ساحقة من أبناء إنسانيتنا المعاصرة (والصفة هذه لا ترادف الحداثة ضرورة ولزاماً)، في تلك الأصقاع الآسيوية وفي سواها من أصقاع الأرض، لا تزال ترسف في زمن ما قبل صناعي، لا تعرف الكهرباء، ولا ألفت التلفزيون ولا أجرت يوماً اتصالاً هاتفياً، تفصلها عن "البشرية المتقدمة" فجوة لا تنحصر في تلك الرقمية، فتعذر إنذارها. ذلك صحيح بالتأكيد، ولكن هل يستوي تفسيراً أوحد لذلك القصور أو التقصير؟ أغلب الظن أن لا، ما دام المدّ المائي قد باغت أيضاً، بل باغت أولاً، من كانوا في حواضر السواحل ومنتجعاتها، من أهالي ومن سياح وافدين، تربطهم بالعالم الخارجي وبعصر الاتصالات هذا ألف وشيجة وسبب، بل قد نكتشف يوماً أن عدد الضحايا بين هؤلاء أكبر منه بين أفراد تلك الإنسانية ما قبل الحديثة، تلك التي لا تزال تربطها بالطبيعة آصرة مباشرة وتلقائية، دون وساطة الآلة، تجعلها أقدر على "قراءة" بيئتها أو على الحدس بها، تستشعر مخاطرها من مراقبة سلوك طيور السماء ودواب الأرض.
ثم إن التقصير ذاك لا يُفسر بالإهمال، أو بقلة اكتراث الأقوياء والأغنياء، بمآل بلدان فقيرة أو لا يُحسب لها حساب في ميزان القوة والسطوة. يصح ذلك لو تعلق الأمر بكارثة محلية، عينية ومنحصرة زماناً ومكاناً، حسب العالم الخارجي أن يبرئ الذمة حيالها بالتبرع والصدقات، لكن تسونامي خَطْبٌ وحداد كونيان، ليس فقط من حيث حجمه ولكن كذلك من حيث طبيعته. حدوثه في منطقة يتوافد عليها السياح، خصوصاً في هذا الفصل وفي فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، جعل ضحاياه من جميع أنحاء العالم، حتى وصفه أحدهم، سعياً الى التأكيد على كونية تلك الواقعة وإن ببعض الشطط في القول ربما، بأنه عبارة عن "11 أيلول (سبتمبر) من ارتكاب الطبيعة"، نال من جميع شعوب الأرض، وإن بدرجات متفاوتة، وفي ذلك ما يوحي بأن التقصير ليس ناجماً عن قلة الاكتراث بكارثة تصيب الآخرين، أي أنه ليس أناني الدوافع بالضرورة.
بل إن التقصير ذاك ربما كان مرده الى ما هو أفدح، بمعنى أنه ربما كان بنيوياً وتكوينياً في نظرة دول، خصوصاً تلك الكبرى منها، لا تزال حولاء في تقدير المخاطر، لا ترى منها إلا ما كان من طبيعة أمنية (وإن اتسع الأمني ذاك ليشمل الاقتصادي ناهيك عن السياسي والعسكري)، أي ما كان مصدره، الفعلي أو المحتمل، قوى تنتظم في دول أو في حركات، وتستهدف المصالح الوطنية أو الكيان. ذلك ما يفسر مثلاً أن دولة كالولايات المتحدة، لا تتردد في توفير أقصى الإمكانات المالية والعسكرية والسياسية، في مواجهة ذلك الضرب من المخاطر، شأن ما تفعله في حملتها الكونية ضد الإرهاب، أو في مغامرتها العراقية، ولكنها قد تتلكأ وقد تتردد وقد تبخل، بالمال أو بالتكنولوجيا، حيال كارثة من قبيل تسونامي، حتى وُجه اليها أقسى الانتقاد في ذلك.
فالدول، وتلك الكبرى منها تخصيصاً، لا زالت تفكر وتتصرف وفق المنطق الكياني التقليدي، أو سمّه الكلاسيكي إن شئت، لا زالت تعتبر أن المخاطر، تلك التي يمكنها أن تكون مجال الفعل السيادي، لا تتمثل إلا في تلك الصادرة عن قوى منافسة، على هيئة حروب أو احتمالات حروب من هذا الشكل أو ذاك، وما زالت قاصرة عن إدراك أن المخاطر في هذا الزمن المعولم، باتت أوسع مدى، لا تنحصر في ضرب منها بعينه، بل أضحت من مستويات عدة، بيئية وصحية وما إليها، وكذلك المسؤولية في التعاطي معها.
ولأن الدول لا زالت دون القدرة على إدراك هذه المستجدات، وهو ما يتطلب تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية، فإنها قد تصرف من الإمكانات ما لا حدود له في ترصّد تحركات المجموعات الإرهابية مثلاً، ولا تبذل إلا القليل في رصد ما يعتمل في باطن الأرض من دمار ساحق ماحق، أو هي إن فعلت أخفقت في الإنذار وفي التحسب أو تقاعست عنهما، مع أن التكنولوجيا في وارد الاضطلاع بتلك المهمة على أكمل وجه. وذلك مع العلم بأن الأضرار الناجمة عن كارثة مثل كارثة تسونامي أثقل وطأة بما لا يقاس من كل ما يمكن للإرهاب (بما في ذلك عدوان الحادي عشر من أيلول) أن يتسبب به، ليس فقط على صعيد الضحايا من بني البشر، ولكن كذلك على صعيد زعزعة الكيانات القائمة وانخرام بُناها وتبعات ذلك على الجوار القريب والبعيد وعلى الاستقرار العالمي، وعلى صعيد إرباك الاقتصاد العالمي والنيل منه بليغاً وعلى نحو يجعل آثاره لا توفر أحداً وتهزأ بالحدود وبالمسافات وبالمناعة الجغرافية...
ففي زمننا هذا، لم يعد هناك من كارثة محلية، حتى وإن كانت دون تسونامي حجماً ومدى، ولم يعد هناك من وباء ينحصر في موضع من هذا العالم، يكفي توخي "الكارنتينا"، كما كان يجري في السابق، للوقاية منه. كل تلك الظواهر باتت كونية انتشاراً وآثاراً، وتشكل مخاطر من قبيل سياسي في مؤداها الأخير، ومشتركاً ما عادت النظرة التقليدية للدولة ولوظيفتها، ينحصر دورها في مواجهة ما كان من المخاطر قابلاً للقراءة وفق الأقانيم الاستراتيجية الكلاسيكية، يفي في معالجتها، ناهيك عن الاكتفاء بالتبرع وببذل المساعدات الإنسانية.
ولعل أبلغ ما دلّت عليه كارثة تسونامي هو، تحديداً، ذلك التفاوت بين عولمة المخاطر، وثبات الدول، بما فيها الإمبراطوريات الزاعمة لنفسها نفوذاً ومسؤوليات كونية، على انكفائها التقليدي، تعجز عن مزاوجة الكياني بالكوني، حتى في ما يمثل مصالحها.
09:39 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.