12/01/2005
انتخابات...
صالح بشير الحياة 2005/01/9
الديموقراطية مقابل السيادة, أو السيادة ثمنا للديموقراطية. لا تُنال هذه إلا بفقدان تلك, ولا تُدرك تلك إلا بالتضحية بهذه.
هذا ما يفصح عنه واقع المنطقة ومجريات أمورها. إذ ستجري الانتخابات الفلسطينية اليوم, وبوسعنا المراهنة أنها ستكون نزيهة وشفافة, إن لم يكن بالكامل وإلى درجة الإطلاق (المتعذر أصلا وفي كل الحالات), فبمقدار كبير وبالغ يضمن لها المصداقية, تحت إشراف العالم ومراقبته. وسيفوز محمود عباس بمنصب الرئاسة, على ما هو مرجح على نحو يكاد يبلغ مبلغ اليقين, على ما أشارت وأمعنت في الإشارة كل استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الآن, لكن فوزه ذاك سيبقى بالتأكيد دون نسبة التسعة وتسعين في المئة (أو ما يزيد عليها أو ينقص) السارية في استفتاءات العرب, التي تتسمى, زورا وتجاوزا, بالانتخابات.
كما يتوقع أن تجري الانتخابات العراقية في موفى هذا الشهر, بعد أن صمّت الولايات المتحدة, القوة المحتلة والقابضة على مقاليد السيادة في بلاد الرافدين, آذانها عن الدعوات المطالبة, مُحقّةً, بتأجيلها, مع أن الدعوات تلك لم تصدر فقط عمن يسهل وصفهم بالتطرف والإرهاب, بل كذلك عن "معتدلين" وعن "واقعيين", فئات سياسية أو شخصيات, من قبيل عدنان الباجه جي, الذي كان عضوا في مجلس الحكم الانتقالي, أو عن الشيخ غازي الياور, رئيس الدولة العراقية, أو ما يقوم مقامها, في الحكومة المؤقتة الحالية. وفي هذه الحالة أيضاً, ليس من المستبعد أيضا أن يجري الاقتراع تعدديا ولا تعوزه النزاهة, أقله قياسا إلى معدل الانتخابات في بلدان المنطقة, غير الخاضعة لاحتلال مباشر.
والملمح الجامع بين الانتخابات الفلسطينية الجارية اليوم, ونظيرتها العراقية المزمعة, يتمثل بطبيعة الحال في تنظيمهما في كنف الاحتلال وفي ظله, فهل بين الأمرين, بين الاحتلال وبين النزاهة النسبية للانتخابات, من علاقة سببية؟ يبدو, مع الأسف, أن نعم.
لا يقال ذلك من باب تزيين الاحتلال أو تبريره, لا ذلك الإسرائيلي الغاشم للأراضي الفلسطينية, ولا ذلك الأميركي المنافي للقوانين وللأعراف الدولية للعراق. بل أننا ممن يرون أن حرية الأوطان واستقلال الشعوب, تُمثلان الحرية الأولى والمؤسِّسة والتي لا يمكن أن "تشتريها" أو تعوض عنها حريات أخرى, ربما عُدّت بهذا المقياس دونها, مهما تسامت وبوّأتها مرجعيات فكرية أو فلسفات سياسية بعينها منزلة الصدارة والأولوية. إذ يبقى استقلال الشعوب وانعتاقها الأساس الذي يجب أن تقوم عليه كل الحريات, الفردية والجماعية.
لكن الإقرار بهذا المبدأ وتنزيله منزلة اليقين الأوليّ, لا يجب أن يدفعنا إلى الإحجام عن تعيين واقعة أساسية, بل هو على العكس من ذلك يتطلب منا مثل ذلك التعيين ويفرضه فرضاً. والواقعة تلك تفيدنا, بصراحة جارحة قاسية, أن أفضل الانتخابات العربية, هي تلك التي تجري تحت الاحتلال, أو تحت إشراف العالم ووصايته. إذ أن ما من شأنه أن يؤخذ على الاقتراعين الفلسطيني والعراقي هو إجراؤهما تحت الاحتلال, تحت سقف اتفاقيات أوسلو كما يقول المعترضون على الاقتراع الأول, وفي كنف السيطرة الأميركية كما يقول المعترضون على الاقتراع الثاني. أي أن الاعتراضين على أساس مبدئي في الحالتين. لكن المآخذ تلك لن تطال الجانب الإجرائي من تلك الانتخابات, أو لن تفعل ذلك إلا قليلا, أقله إذا ما قيست تلك الاستشارات الشعبية بنظيراتها في بلدان المنطقة أو في سوادها الأعظم.
وفي الأمر هذا ما يمثل أبلغ علامات إخفاقات أنظمة الاستقلال العربية (ناهيك عن إخفاقاتها الكثيرة الأخرى في مجالات التنمية والتعليم وما إليها الكثير), إذ جعلت من السيادة (وهذه في واقع حالها نسبية) نقيضا للديموقراطية نافية لها, عمليا وكما تشهد تجربة العقود الماضية, وبقطع النظر عن كل "خطاب" دعائي يزعم عكس ذلك.
ومحصلة كل هذا أننا أمام خيار مُزرٍ بقدر ما هو مأسوي: فإما ديموقراطية, قد تكون سليمة من الناحية الإجرائية, وقد تضمن الحرية الشخصية, أقله لمن يقبل الاندراج فيها, لكنها مُعاقة روحاً, إذ تقوم على الخضوع لمشيئة الأجنبي, سواء كان الأجنبي محتلا أو ضاغطا طويل الباع نافذ السطوة, وإما "افتداء" سيادة الوطن واستقلاله, بالحريات الفردية الأساسية وبذل تلك الحريات دونهما. إما أن يتخلى الفرد (إن افترضناه مخيّرا) عن حريته الشخصية مقابل سيادة وطنه, أو أن يضحي بهذه الأخيرة في سبيل انعتاقه كفرد مواطن. أي أن كل المتاح هو المفاضلة بين "خيانتين".
وبديهي أن أوطاناً لا تتيح لأبنائها غير مفاضلة من هذا القبيل هي أوطان بلغت أدنى دركات الإخفاق ومنتهى الفشل, إذ هي لا تعدهم إلا بأحد أفقين: سيادة تقترن بالاستبداد, اقترانا مكينا على ما دلت التجربة حتى الآن, أو ديموقراطية يفرضها الخارج, لأسبابه ولدوافعه, احتلالا مباشرا أو إملاء وضغطا. بطبيعة الحال, لا دعاة السيادة يسدون خدمة إلى هذه الأخيرة إذ يربطونها بالاستبداد فيجعلونها سجناً للشعوب, قد يدفعها اليأس إلى الاستنجاد بالأجنبي للخلاص منه, ولا أنصار الديموقراطية يرسيها الأجنبي يخدمون فكرة الديموقراطية إذ يرهنونها بإرادة خارجية, فيجعلون ثمنها باهظا, علما بأن من بين المعوقات التي وقفت طويلا في وجه الديموقراطية في بلداننا وشوهت سمعتها لفترة من الزمن بعد الاستقلال, إنما كان الاستعمار الأوروبي وطريقته في ممارسة "الديموقراطية" في المستعمرات. فهو كثيرا ما تنكر لها, أو تلاعب بها وزوّرها, أو زاولها على نحو تمييزي عنصري, أحيانا في حق من كانوا يُعتبرون من "مواطنيه", شأن المسلمين الجزائريين, عندما كانت بلادهم مقاطعة فرنسية, يسري عليها, نظريا, ما كان يسري على مقاطعات المتروبول.
لا خلاص إذاً, إلا بتخليص فكرة السيادة من الاستبداد, وبتحرير فكرة الديموقراطية من الإرادة الأجنبية, والتوصل إلى مقاربة تزاوج بين السيادة والديموقراطية, تجعل من هذه الأخيرة, بوصفها التعبير عن الإرادة الشعبية, حصانة للأولى ودرعا لها" لكن من يمكنه أن يفعل ذلك؟ هذه الأنظمة, والاستبداد فيها طبيعة وجبلّة وعلة وجود؟ أم معارضاتنا, وهي تتوزع بين قوى, نافذة شعبياً لكنها قليلة الحفول بالديموقراطية, تسعى إلى استبداد بديل, وبين أخرى أدنى تأثيراً وأقدر على مخاطبة الخارج منها على مخاطبة جمهورها الداخلي المفترض؟
إذا كان الأمر كذلك, فالأرجح أن نراوح طويلا أمام تلك المفاضلة البائسة الآنفة الذكر.
09:42 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.