« 2004-11 | HomePage | 2005-01 »
23/12/2004
العراق: الانتخابات والنزاع الأهلي
صالح بشير الحياة 2004/12/19
وزير الدفاع العراقي حسين الشعلان لا يتلعثم ولا يتردد, يخوّن بالجملة ودون تمييز, يعتبر آية الله علي السيستاني والقائمة الانتخابية التي رعى تكوينها امتدادا لإيران, وهذه الأخيرة "أخطر عدو" يتربص بالعراق وبالعرب, متعهدا بوقف ما أسماه "الزحف الأسود" الذي يتهدد بلاده.
قد يكون مثل ذلك الخــطر ماثل فعلا, لكن كـــلام وزيــر الدفاع في حكــومة إياد علاوي, إذ توخـــى الشـطط اللفظي وأسرف فيه, أخفق في تشخيصه وخصوصا في الإقناع به. وقد لا ينجح إلا في استثارة طائفة بأسرها, أو منطقة من مناطق العراق بأكملها, طالما أن قائمة آية الله السيستاني تعكس طيفا من التمثيلية, السياسية والفئوية, لا يستهان باتساعه, إذ ضمت عددا من أحزاب الشيعة, إضافة إلى مكونات قبلية-سنية ومن طوائف أخرى.
وهذا ناهيك عن أن وزير الدفاع العراقي يخطئ إذ يموضع السجال الانتخابي (وقد جاءت تصريحاته في عداده وفي إطاره) على صعيد التخوين هذا, وتلك تهمة ليس أيسر من أن يردها عليه وينسبها إليه أحدهم, من طينته ولكن في موقع الاعتراض, يأخذ عليه انتماءه إلى حكومة نصبها الاحتلال, وقد يذهب مذهب المفاضلة بين "عمالة" و"عمالة" (على مقتنا لمثل هذه العبارات) ويرى أن ما كان منها لصالح إيران أقل وطأة وإثما.
والحال أنه يفترض في العراقيين أن يكونوا الأكثر حذرا والأكثر امتناعا عن تداول تهم التخوين في ما بينهم, وكفاهم في ذلك ما يوصم به منها, آتيا من الخارج, كل طوائفهم وفئاتهم, دون استثناء, فكل واحدة من هذه "خائنة" في نظر طرف ما. علما بأنه ليس بين العراقيين, أو سوادهم الأعظم والأعم, غير مواجه لضرورة خاضع لها, كابد نظاما سابقا لم يختره وفُرض عليه "تحرير" لم يُستشر لا في طرقه ولا وفي سائله ولا في أدواته ولا في توقيته, فإذا كل يواجه الوضع كما استطاع لا كما أراد, إذ أن هامش الإرادة ضيق بالغ الضيق على الجميع.
ومع ذلك, فإن "خطاب" التخوين هو السائد بين العراقيين على ما يبدو, وهناك من يصم به مجموعات بأسرها, بعضها يشكل أغلبية أو أقليات كبرى, الشيعة أو الأكراد, وذلك لعمري هو منطق التكفير عينه, في عمقه إن لم يكن في لفظه, إذ وحده من يأنس في نفسه الانتماء إلى قلة مصطفاة أو إلى "فرقة ناجية" يستسهل تعميم التخوين بمثل هذه الخفة وبمثل هذا اليقين.
يكون كل ذلك نزقا لفظيا, لا يُعتدّ به, من قبيل ما تحفل به الحملات الانتخابية عموما, خصوصا في البلدان الحديثة العهد بالاقتراع لم تألف منه إلا ما كان استفتاء لمبايعة مستبد. لكن الانتخابات العراقية ليست اقتراعا عاديا, في وضع آمن ومستتب, بل هي, بفعل تنظيمها تحت الاحتلال, وبفعل الاحتقان الأهلي الذي يستبد بالبلاد, وبفعل تنظيمها وفق أجندة يبدو أنها تستجيب إرادة أميركية لا تبالي كثيرا باستعدادات البلد, قد تضع العراق أمام احتمالات تصدع وانشقاق جارفين.
صحيح أن الانتخابات هي الترياق الأمثل لنوازع الاقتتال الأهلي ومخاطره, تموّه النزاع وتذلله إذ تنزع عنه صفته المباشرة والسافرة, أي العنيفة, إذ تحوله إلى "لعبة" كلامية, إلى اقتتال رمزي, يفصح عن اختلافات المجتمع ولكنه يبقيها دون الانفجار, يمسرح المواجهة دون أن يلغ فيها, يحول الصراع إلى جدل, ويقنع بانتصار وبهزيمة, تنطق بهما النسب المئوية ولا يُحسم أمرهما في ساحات الوغى. ولكن ذلك صحيح نظريا فقط, ونزولا عند شروط محددة. أما إذا لم تسبق الانتخابات رغبة في العيش المشترك وإذا لم تتأسس على مثل تلك الرغبة, فهي قد تصبح ذريعة من ذرائع الفرقة والشقاق, مثلها في ذلك مثل أية ذريعة أخرى.
إذ ليس للانتخابات من مفعول سحري, يكفي أن يصار إلى تنظيمها حتى تؤول المجتمعات إلى الوئام, وذلك أمر بديهي يبدو أن الغالبية باتت ذاهلة عنه. ربما يعود ذلك إلى أدلجة الفعل الإنتخابي, وهي ما يبدو أنه من سمات السياسة الخارجية الأميركية, في عهد إدارة جورج بوش الحالية على نحو خاص. فهــذه, ترى للانتــخابات فضيلة إيديـــولوجية, أي مــكتـــفية بــذاتها, دون أن تعبأ كثيرا بفضيلتها العملية. كفى الانتخابات أن تُقام وتُجرى, لتبرهن على نجاح تحقق وعــلى نتيجة أُدركت. لا يهم إن كانت أفغانستان قد أصبحت, بعــد ثلاث سنوات من انهيــار حكم طالبان, أكـــبر منتج للأفيــون في العالم, وأن أمـــراء الحـــرب لا يزالون يسيـــطرون على عدد من مناطـقها, أو مــــا إلى ذلــــك من الاعتبــارات, المهم أن تجـــري انتخابات, يفــوز فيها حميـــد كرزاي, وأن يُحـــــسب ذلك من النتائـــج الباهرة لسياســــة الولايات المتحدة. وكذلك الأمـــر بالنـــسبة إلى العراق, حيث يبدو أن الإصرار علــى بعـض المواعيد, واعتباره مقدسا, كان أهم من تهيئة الظروف لتنظيم انتخابات لا تستثني طرفا من العراقيين, وتجري ضمن شروط أمنية ملائمة, أو أقرب ما تكون إلى الملاءمة, ولا تضيف ضغائن طائفية وأهلية إلى الاحتقان السائد. فهل تكون الولايات المتحدة قد غلبت هاجس البرهنة على أنها لا تتراجع أمام الإرهاب والإرهابيين, على كل اعتبار آخر.
ذلك الموعد الانتخابي لا دافع له, فالولايات المتحدة مصرة عليه, وكذلك الحكومة العراقية الموقتة, وكذلك أطراف عراقية نافذة عدديا وسياسيا ولا سبيل إلى الطعن في مشروعية إرادتها, لمجرد أنها لا تتماشى ولا تتطابق مع إرادة أو حسابات أطراف أخرى. وإذا كان لا بد من إجراء الانتخابات تلك, إذ لا خيار غير ذلك, فلتُخض على نحو يذلل مفاعيلها السلبية المحتملة على البلاد وتركيبها الهش, ولتكن لحظة البحث عن بعض عناصر الإجماع, مهما كانت ضئيلة ضامرة, حتى لا تكون الانتخابات فاتحة الاقتتال الأهلي ومقدمته.
والأمر هذا قد يعني سنّة العراق على نحو خاص, أولئك الذين ربما كانوا في حاجة إلى البحث عن طريق ثالثة بين مقاومة مسلحة لم تتحول إلى مقاومة وطنية شاملة على ما كانوا يأملون, وبين الركون إلى الانكفاء والإحجام والمقاطعة, بأن يبدأوا بلجم التطرف في صفوفهم, إن وُجد بينهم من كان قادرا على ذلك, مستلهمين في ذلك المؤسسة الشيعية, تلك التي عرفت كيف تعالج مشكلة مقتدى الصدر, فلم تترك له فرصة جرها نحو صدام لا تريده ولا أباحت للأميركان قتله.
08:30 Permalink | Comments (0) | Email this
تركيا: العودة إلى أوروبا
صالح بشير
المستقبل - الاحد 19 كانون الأول 2004 - العدد 1783 - نوافذ - صفحة 10
ليس أكثر إنباءً عن "تهافت" جغرافيا الحداثة، أو الجغرافيا كما تراها الحداثة وتتصورها، من هذا الجدل الدائر حول انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، إذ يُحسب الحدث ذاك، إن جدّ في موفى عشرة أو خمسة عشر عاماً من التفاوض، انقلاباً خطيراً في مجرى تاريخي وحضاري مستتب متصل منذ قرون، في حين انه من بعض أوجهه (بل من أهمها ربما)، وبمعنى من المعاني، قد لا يعدو أن يكون عودة الى نصاب سابق، أو استئنافاً لنصاب سابق.
فتركيا كانت أوروبية دوماً، وإن بمقدار، وإن جزئياً (ولكن الجزء ذاك لم يكن بالنزر اليسير). أوروبيتها ضاربة في القدم، تعود الى فجر الزمن الاغريقي، ذلك الذي يتوهمه الغرب أرومته الثقافية أو بعضها الغالب والمميز، تحتل فيه موقع الاسبقية تاريخاً ومكاناً. طروادة، مسرح بعض أشهر الملاحم الهوميروسية انما كانت تقع في تركيا الحالية، آسيا الصغرى قديماً، وكذلك ملطية، تلك التي شهدت أولى بذور الفلسفة، أي ما يعتبره الغرب عقله، أو بعض اللحظات الحاسمة في تأسيسها (الفلسفة) وفي تأسيسه (العقل)، ولم تزدهر الحضارة الاغريقية، في طورها الكلاسيكي، على الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور ومن مضيق الدردنيل، إلا في عهودها المتأخرة أو في عهود الأوج.
والأمر لا يتوقف عند تلك العصور القديمة، بل إن تركيا الاسلامية كانت ايضاً قوة أوروبية، ربما في المقام الأول فالامبراطورية العثمانية، ولت وجهها، منذ البدايات، غرباً، تغزو وتفتح قبل أن تهتم بمحيطها الاسلامي المفترض. فهي كانت ضالعة في النسيج الأوروبي الشرقي والبلقاني، بأكثر مما كانت مهتمة بالعالم العربي، في ما عدا جوارها المشرقي المباشر اضافة الى مصر، لعوامل بديهية. لم ترسل قواتها الى تونس أو الجزائر إلا عندما غزاهما الاسبان، فسارعت تصدهم، ثم امتنعت عن إدارتهما على نحو مباشر. فقام في الأولى حكم سرعان ما استقل عملياً، مكتفياً بإعلان الولاء للآستانة، في حين انحصر الحضور العثماني في الثانية في حاميات عسكرية في المدن الأساسية، الساحلية خصوصاً، لم يكن لها من نفوذ خارج أسوار تلك المدن، آلت الى ضرب من الاستقلالية بدورها وانصرفت الى مزاولة القرصنة في حوض البحر المتوسط، وخارجه احياناً، ما دامت بعض سفن القراصنة الجزائريين قد بلغت جزيرة ايسلندا!
أما المغرب، فلم تطأه أقدام العثمانيين، واحتفظ باستقلاله ناجزاً، "امبراطورية شريفية" قائمة الذات، بعد أن تمكن من دحر الغزو البرتغالي في معركة وادي المخازن الشهيرة، أو معركة "الملوك الثلاثة". كانت المعركة تلك بداية أفول مملكة البرتغال، ووفرت على الأتراك عناء التدخل. وأما جنوب العالم العربي، ذلك المطل على المحيط الهندي، فلم يأبه به العثمانيون إلا مع تزايد الرحلات الاستكشافية والاستعمارية الاسبانية في تلك الأصقاع، أو في فترات متأخرة، بعد أن بات خديوي مصر يطمح الى منافستها على النفوذ. وهكذا، ربما أمكننا القول إن الدولة العثمانية لم تكن قوة عربية، أو مركزية في المجال العربي، إلا ان نظرنا الى تاريخها من وجهة نظر مشرقية ـ مصرية.
فالسلطنة العثمانية، حتى بعد استوائها خلافة، كانت تعتبر أن الصراع على السطوة والنفوذ انما تمثل القارة القديمة قلبه ولبه، أي صراعاً على أوروبا، حيث أرست ضرباً من استقطاب ثنائي، بينها وبين الامبراطورية الاسبانية، تحتل فيه فرنسا موقع الثالثة، من حيث الترتيب والقوة، غالباً ما تسعى الى التحالف مع بني عثمان للاحتماء من جارتها الجنوبية التي كانت تخشى توسعها، خصوصاً بعد أن حاصرتها إذ سيطرت على البلاد الواطئة شمالاً. أما سائر القارة، خصوصاً جنوبها ووسطها وشرقها وأجزاؤها البلقانية، فقد كان مجالاً مفتوحاً لصراع القوتين الأعظم في ذلك الزمن، العثمانية والاسبانية.
ذلك، في حدود ما تسمح به هذه العجالة، ما يقوله التاريخ التاريخي، إن صحت العبارة، أي الحقيقي والوقائعي، لا ذلك المؤدلج، على هذا الجانب من المتوسط أو ذاك، عندنا أو عندهم، في "شرقنا" وفي "غربهم"، ومفاده أن تركيا كانت طيلة قرون، وحتى القرن التاسع عشر، قوة أوروبية، حتى إن ما عُرف آنذاك بـ"المسألة الشرقية"، ما كان يعني سوى تصفية النفوذ العثماني في شرق القارة، والإجهاز على "رجل أوروبا" (كذا) المريض".
وهكذا، فإن انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، إن تحقق، لن يكون بحال من الأحوال اجتراحاً لغير مسبوق، بل لن يكون أكثر من عودة، سلمية وعلى أساس الأخذ بنظم اقتصادية وسياسية بعينها، وتبني قيم محددة، لها طبيعة الإلزام والضرورة. غير أن اللافت هو التعامل مع ذلك الانخراط التركي الموعود والمحتمل على انه مستجد مطلق الجدة. والحال أن خروج تركيا من القارة القديمة لا يعود إلى قرن ونصف قرن على الأكثر. والمفارقة أن أوروبا الحديثة والعلمانية، نخباً ورأياً عاماً، هي التي تحسب تلك الفترة دهراً، وهي التي تتوهم وتقول، جهراً أو ضمناً، أن القارة القديمة كانت مسيحية حصراً ودوماً، وأن قوة إسلامية لا يمكنها إلا أن تكون غريبة عليها وافدة طارئة أو حديثة العهد (عن طريق هجرات العقود الأخيرة) في أفضل حالاتها، وذلك مع أن الأوساط تلك علمانية أو "زمنية" كما سبقت الإشارة، وحريصة، بصفتها تلك، على الفصل بين التاريخ المدني والسياسي وربما الثقافي ايضاً للقارة، وبين تاريخها الديني.
ذلك أن الحداثة اخترعت تاريخاً، أو تاريخها، وهذا الأخير لا يتطابق ضرورة مع التاريخ الفعلي والأمر هذا يتجاوز الحالة التركية، ليطال موقع الاسلام في القارة الأوروبية، ذلك الذي يمتنع الأوروبيون عن الإقرار بأنه كان مكوناً من مكونات قارتهم، المسيحية الهوية في المقام الأول والغالب بطبيعة الحال، وأن المكون ذاك لا يتوقف عند ما يُشار اليه عادة من تأثيرات على الصعيد الفكري، الفلسفي والعلمي، بل يستند الى حضور مديد، استمر قروناً، وما كاد يجتث من غرب القارة، بعد حروب "الاسترداد" وطرد المسلمين من الاندلس، إلا كي يتأكد في شرقها مع سقوط القسطنطينية على يدي الاتراك العثمانيين. أم أن الإغفال ذاك كان عنصراً من عناصر بناء الهوية الأوروبية مجتمعة أو على صعيد كل من أوطانها؟
لكل ذلك، فإن انخراط أنقرة في الاتحاد الأوروبي، إذا ما تحقق، ولم يحل دونه قصور تركي أو شروط مجحفة وتعجيزية تواجهها بها دول القارة، سوف يكون خطوة تعيد وصل تاريخ انصرم، لا شذوذاً عن ذلك التاريخ أو قطيعة تستحدث في مجراه.
أما إذا لم يحدث مثل ذلك الانضمام، فربما كان تفسيره أن للهويات، وطرق ابتنائها وتجليها، ديناميكيات، ملغزة، يتعذر النفاذ اليها أو يعسر، من قبيل تلك التي تجعل مالطا، وهي جزيرة متوسطية مغرقة في متوسطيتها، لغتها سامية، أقرب الى اللهجة التونسية، تبدو أوروبية لا غبار على أوروبيتها، وتعجل روسيا بلداً شرقياً، غير أوروبي أو غير غربي على أية حال، بالرغم من مسيحيتها وبالرغم من ريمسكي كوساركوف (صاحب سيمفونية "شهرزاد") وتشايكوفسكي وتشوستاكوفيتش، وبالرغم من غوغول وبوشكين وتولتسوي وديستويوفسكي، وبالرغم من الكثير من مواطن الاشتراك والتماثل بينها وبين الغرب.
فالهوية انتقائية في ما تتقبل وما تنبذ. ولعملية النبذ والقبول تلك "منطقها" الذي يشذ بها عن كل منطق عقلاني، وإن تزيّن بالعقلانية ولبس لبوسها..
ويبقى انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي الاختبار الأمثل حول رغبة أوروبا في ربط الصلة "بتاريخها" الاسلامي من عدمها.
08:22 Permalink | Comments (0) | Email this
18/12/2004
النخب العربية وفهم الصين؟
المستقبل - الاحد 12 كانون الأول 2004 - العدد 1776 - نوافذ - صفحة 10
صالح بشير
هو "القرن الصيني" هذا القرن الجديد، أقله على ذمّة وسائل الإعلام، وإن درجت هذه الأخيرة على ما كان من الأحكام متسرعًا وما كان من التشخيص متهافتًا. مضى زمن الاستهانة بـ"إمبراطورية الوسط" وبنموها الاقتصادي، ذلك الذي كان يُدهش ولكنه ما كان يبعث على القلق أو يخيف، إذ كان يُعتقد بأن الغرب بلغ من التقدم شأوا يعسر على بلد مثل الصين استدراكه، وأن هذه الأخيرة إن نافست فلن تنافس إلا قطاعات غربية هشة، تجاوزها هذا الزمن ما بعد الصناعي، من أنشطة ملوِّثة أو تتوخى تقنيات عفا عليها الزمن.
لكن "العملاق الأصفر"، لمن يبجّل التوصيفات العرقية، أو "العملاق الأحمر" لمن يفضل الكنايات الإيديولوجية (بعد أن انفردت الصين بـ"الحُمرة" إثر انهيار الاتحاد السوفياتي فبدا ذلك من علامات تخلفها المقيم)، كذّب كل تلك التوقعات. فـ"المايد إن شاينا" ما عاد يكتفي بإغراق أسواق العالم بالملابس الرخيصة وبالأواني البلاستيكية وباللعب الوضيعة، بل اقتحم "ساحة الكبار" كما يقال. وباتت بكين قوة اقتصادية كبرى، احتلت موقع إيطاليا في المرتبة السادسة عالميًا، وهي ستدرك فرنسا وبريطانيا وستتجاوزهما وشيكا، بل أنها في بعض المجالات أضحت تواجه الولايات المتحدة مباشرة، تضاهيها أو تسعى إلى مضاهاتها، في البحث العلمي والتكنولوجي مثلا، أو في اجتذاب العقول، بدءا بكفاءاتها المهاجرة والتي بدأت في استعادتها. ثم أن الصين ما عادت فقط مجالا لاستثمارات مجزية، بل هي مصدر للرساميل، يُرجى ويُخطب ودّها، ونموّها في أوج اندفاعه، لا يتوجس البترول بخمسين دولارا للبرميل الواحد ولا يبدو متأثرا بالاضطرابات الجيوبوليتيكية التي يكابدها عالمنا الراهن.
الصين حالة فريدة، ليس فقط لأن وتائر نموها غير مسبوقة في التاريخ، لم تعهدها حتى بريطانيا إبان ثورتها الصناعية، بل وكذلك لأنها البلد الوحيد من العالم الثالث أو لنقل من العالم غير الغربي (مع ما في التوصيفين من تقريبية)، الذي انتقل إلى التقدم الاقتصادي دون دعم خارجي، إيديولوجي الدوافع في الغالب، ما يميزه عن اليابان وسواه من "نمور آسيا" وحتى عن بعض بلدان الجنوب الأوروبي التي استفادت أيما استفادة من الحرب الباردة ومن هاجس ابتعاثها نموذجًا (ناجحًا) مضادا للشيوعية. بل أن الحالة الصينية تلك ربما استوت دحضًا لكل النظريات المتعلقة بالحداثة وبالتحديث الاقتصاديين وسواهما: بلد زراعي في المقام الأول، كثير السكان، يحكمه استبداد خانق، أي أنه يتصف بكل ما من شأنه، وفق النظريات الشائعة مُسلَّماتٍ، استتباب التخلف أفقا يكاد يبلغ مبلغ الأبدية.
والحال أن التجربة الصينية تتطلب سبرا، لم يحصل حتى الآن حتى في تلك البلدان الغربية، التي تكتفي غالبا بترديد "أقانيم" جاهزة وقاصرة من قبيل تفسير كل شيء بما يُسمّى "القيم الآسيوية". بل أن أبرز ما يلفت أن التجربة الصينية لم تستثر الذهن العربي أو ما تسميه رطانتنا المستشرية "العقل العربي"، مع أن في التجربة تلك ما من شأنه أن يستثير كل النخب غير الغربية التي يفترض فيها البحث، جاهدة، عن سبل التوصل إلى تقدم تعذر حتى الآن وامتنع.
وللعزوف ذاك عن استنطاق التجربة الصينية، عوامل عدة. لعل أبرزها أن "النخب" العربية، أو ما يقوم مقامها (تجاوزا في الغالب) تتسم بنظرة محلّية ضيقة في محليتها، استفحلت مع استفحال الانكفاء على الهوية، تجعلها لا تعبأ إلا بـ"سرّة" قضاياها المصيرية، ذاهلة تمام الذهول عما يجري في العالم الرحب، وعن استلهام طرق أخرى جُربت من قبل الآخرين فصحّت أو لم تصحّ، أو عن مجرد البحث فيها.
وربما كان مرد ذلك أيضا إلى أن "النخب" تلك تقليدية في العمق، بما في ذلك أكثر مكوناتها ادعاءً للإصلاح والتغيير والثورة وما إلى ذلك من مثل أفعال التجاوز المزعومة تلك (المزعومة لأنها لم تفض إلى شيء ولم تفلح في الانتقال بشعوب المنطقة من طور إلى طور، عدا ما تمليه الهزائم). ولأن "النخب" العربية تقليدية فإنها تعتبر، في قرارة النفس، وعلى نحو إرادي أم لا، لا فارق، أن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحداثة وتجاوز التخلف قد طرحت مرة واحدة وبشكل نهائي، إبان عصر النهضة، وإنه لا سبيل، بعد ذلك، إلا إلى إعادة طرحها على النحو نفسه واجترارها إلى ما لا نهاية، فلا يُضاف إليها ولا يُنتقص منها. ولعل ذلك ما يفسر الاهتمام المقيم بالتجربة اليابانية، تلك التي لا تزال تحبّر بشأنها المقالات والكتب، دون بلوغ مبلغ المعرفة الدقيقة والمباشرة بطبيعة الحال، إن هي إلا عموميات يصار إلى ترديدها. ومعلوم أن التجربة اليابانية قد حظيت باهتمام رجال عصر النهضة واسترعته، لأهمية توسموها فيها، بوصفها أول مسعى جاد، أصاب قدرا من النجاح، إلى التحديث خارج العالم الغربي. ولكن الاهتمام ذاك، وقد كان في زمانه بالتأكيد عينيا وتجريبيا (أو أمبيريكيا)، قد أرسى سنّة، لها من التمكن ما للسنّة في المجال الديني، وحوّل التجربة اليابانية تلك إلى ما يشبه البراديغم المُلزم في الذهنية العربية الباحثة في قضايا التخلف والتقدم والانتقال من الأول إلى الثاني.
هذا إلى جانب عامل آخر، لا شك في أنه قد كان له بالغ الأثر في ذلك الحفول بالتجربة اليابانية، على نحو يكاد يكون حصريا، هو ما وسمها في بعض أطوار تاريخها الحديث من مظاهر القوة ومن جنوح عسكري. وهي مواصفات أخاذة بالنسبة إلى ذهنية عربية تنظر إلى العلاقة بالغرب نظرة صِدامية، عسكرية في المقام الأول، مع أن الأداء في ذلك الصدد معلومة طبيعته ومعلومة مآلاته. وهكذا، فإن اليابان التي استهوت، منذ عصر النهضة، هي تلك التي ألحقت الهزيمة بروسيا (وهذه عُدّت غربا) في سنة 1906، أو تلك التي تحولت إلى قوة عسكرية كبرى في الحرب العالمية الثانية، واحتلت معظم العالم الآسيوي المطل على المحيط الهادئ، قبل هزيمته على يدي الولايات المتحدة، لا يابان التقدم العلمي والتكنولوجي، صانعة السيارات والأجهزة الإكلترونية. وفي نظر عقلية مثل تلك، لا يمكن للصين، التي انتظرت هادئة انتهاء مدة "إيجار" هونغ كونغ كي تستعيدها من بريطانيا، رغم أن الأخيرة باتت "أسدا عجوزا" انكسرت أنيابه، أو لا تقدم على استرداد جزيرة تايوان من نظامها الانفصالي الآبق، أن تستهوي عقليتنا "النضالية" أو "الجهادية"، وما إلى ذلك من تسميات لا تتعاقب إلا كي تنطبق على نزوع فينا مقيم سرمدي.
وأنكى ما في الأمر أننا حللنا محل الصين وبديلا عنها في الاضطلاع بدور العدو بامتياز. إذ موضوعيا، ليس هناك من خصم جدّي للولايات المتحدة غير ذلك "العملاق الأصفر"، فهو القوة الصاعدة اقتصاديا وعسكريا، وهو المرشح لمنافسة واشنطن على النفوذ في العالم، أو في بعض أصقاعه الحيوية، أي تلك الآسيوية، في يوم من الأيام بات وشيكا. وفق الحسابات الإستراتيجية الحقيقية، لا تلك الخطابية والدعائية، ذلك ما يجب أن يكون عليه صراع النفوذ في العالم، ولكن لمفارقة ما، بفضل أسامة بن لادن ومن كانوا على شاكلته أو بذريعتهم، اصطُفينا بديلا، مؤقتا بالتأكيد، للاضطلاع بوظيفة العدو الإستراتيجي، ربما في انتظار أن يتبلور النصاب الإستراتيجي الدولي الجديد، أو لأسباب ولعوامل أخرى لا تزال غائبة عنا.
وعندها، قد نؤول، نحن و"إرهابنا"، إلى حجمنا الحقيقي: مشكلة أمنية على أقصى تقدير، لا عنصرا تأسيسيا في موازين القوة في العالم... ولكننا، في انتظار ذلك، سنكابد الكثير، من قبيل ما يجري في العراق وفي الأراضي الفلسطينية.
19:53 Permalink | Comments (0) | Email this
06/12/2004
الإشكال السني في العراق
صالح بشير الحياة 2004/12/5
ستجري الانتخابات العراقية في موعدها أو هكذا يُرجح.
الولايات المتحدة تريدها, إذاً هي لا ترغب في أن ينحصر دورها, إلى ما لا نهاية, في الإدارة الأمنية لحالة مضطربة وغير مستتبة, فيصبح الوضع ذاك فخاً لها ولقواتها, تعلم أن لا خلاص منه إلا من خلال السعي إلى إنفاذ أجندة سياسية, تخص البلد المحتل ذاته, ولا تقتصر على الحضور العسكري.
كما أن الحكومة العراقية الموقتة تريد تلك الانتخابات وتصر عليها, إذ هي علة وجودها بمعنى من المعاني, طالما أنها تشكلت من أجل أداء تلك المهمة, أي الإعداد للوضع النهائي, ناهيك عن أنها وسيلة شرعية محلية (وهذه لا قبل للاعتراف الدولي بأن يستوي بديلا عنها) لتلك الحكومة, ولمن كان من قادتها ورجالها وأعضائها راغباً في الاضطلاع بدور في المستقبل, ولا يركن إلى انتهاء ذلك الدور بانتهاء مدة صلاحية الحكومة إياها. هذا بطبيعة الحال, عدا عن هاجس استجابة الإرادة الأميركية. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الشيعة, وهم بين الأكثر حرصاً على إجراء الاقتراع في موعده, وإلى الأكراد الذين اطمأنوا إلى سيطرتهم على مقدرات مناطقهم الشمالية, وهم لا يتخوفون, على ما يبدو, لا مما هو قائم ولا مما هو آت.
وحدهم السنّة اعترضوا وطالبوا بالتأجيل أو هددوا بالمقاطعة, وأخفقوا في كل ذلك طبعا, إذ هم طفقوا يساومون في ذلك وحول ذلك بعد "خراب الفلوجة", وارتكبوا خطأ في التوقيت قاتلاً, وفق سنّة درجوا عليها والحق يقال منذ بدء الأزمة الجارية, غافلين عن أن معركة الفلوجة قد ألحقت بهم هزيمة, أو أنها على الأقل نالت منهم بليغا, فأعادتهم إلى السياسة, أو إلى ما يعتقدونه سياسة, مكرهين, أي من موقع الضعف وعدم القدرة على الضغط أو الابتزاز.
والحقيقة أن أداء السنّة في هذه الأزمة العراقية نموذجي, بمعنى النموذج المضاد. إذ يوحون بأنهم الفئة الوحيدة التي لم تستوعب ما حدث منذ الاحتلال الأميركي وانهيار النظام السابق, وأخفقت في ملاءمة وضعها المستجدّ كأقلية سياسية مع وضعها الموضوعي كأقلية عددية. صحيح أن مثل ذلك يتطلب ثورة ثقافية وتغييرا عميقا في النظرة إلى الأمور, يقطعان مع ما درجت عليه كيانات المشرق العربي ما بعد العثماني, منذ أن استوت كيانات بعد تفكك السلطنة ونهاية حقبة الانتداب, قامت حول أرجحية أقليةٍ على سائر الأقليات الأخرى, عنفا أو مساومة تحكمت فيها التوازنات الخارجية في المقام الأول. والحال أن العراق ربما كان بصدد اجتراح أول مراجعة لتلك الصيغة التي سادت حتى الآن, نحو الملاءمة بين النسبة العددية لمختلف الفئات وبين تمثيلها في السلطة, ولعل ذلك ما يفسر أن أكثر الأطراف حماسا للانتخابات المقبلة وحرصا على إجرائها في موعدها حتى تحت ظروف الاحتلال وبالرغم منها, هي تحديداً تلك الفئات التي كانت مُقصاة من السلطة وكانت تستشعر في ذلك الصدد غبنا مقيما.
في هذا الشأن, وبقطع النظر عن الموقف من الحرب الأميركية في العراق, وهذه نالت من التنديد (المحقّ) أشده إن لاعتبارات مبدئية وإن لما اتسمت به من ارتجال وسوء تقدير وإخفاقات شتى على الصعيد السياسي, فإن ما يمكن قوله إن الحرب تلك, ربما كانت بصدد إحداث ثورة في الأنصبة السياسية التي قامت عليها الكيانات المشرق


