« النخب العربية وفهم الصين؟ | HomePage | العراق: الانتخابات والنزاع الأهلي »
23/12/2004
تركيا: العودة إلى أوروبا
صالح بشير
المستقبل - الاحد 19 كانون الأول 2004 - العدد 1783 - نوافذ - صفحة 10
ليس أكثر إنباءً عن "تهافت" جغرافيا الحداثة، أو الجغرافيا كما تراها الحداثة وتتصورها، من هذا الجدل الدائر حول انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، إذ يُحسب الحدث ذاك، إن جدّ في موفى عشرة أو خمسة عشر عاماً من التفاوض، انقلاباً خطيراً في مجرى تاريخي وحضاري مستتب متصل منذ قرون، في حين انه من بعض أوجهه (بل من أهمها ربما)، وبمعنى من المعاني، قد لا يعدو أن يكون عودة الى نصاب سابق، أو استئنافاً لنصاب سابق.
فتركيا كانت أوروبية دوماً، وإن بمقدار، وإن جزئياً (ولكن الجزء ذاك لم يكن بالنزر اليسير). أوروبيتها ضاربة في القدم، تعود الى فجر الزمن الاغريقي، ذلك الذي يتوهمه الغرب أرومته الثقافية أو بعضها الغالب والمميز، تحتل فيه موقع الاسبقية تاريخاً ومكاناً. طروادة، مسرح بعض أشهر الملاحم الهوميروسية انما كانت تقع في تركيا الحالية، آسيا الصغرى قديماً، وكذلك ملطية، تلك التي شهدت أولى بذور الفلسفة، أي ما يعتبره الغرب عقله، أو بعض اللحظات الحاسمة في تأسيسها (الفلسفة) وفي تأسيسه (العقل)، ولم تزدهر الحضارة الاغريقية، في طورها الكلاسيكي، على الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور ومن مضيق الدردنيل، إلا في عهودها المتأخرة أو في عهود الأوج.
والأمر لا يتوقف عند تلك العصور القديمة، بل إن تركيا الاسلامية كانت ايضاً قوة أوروبية، ربما في المقام الأول فالامبراطورية العثمانية، ولت وجهها، منذ البدايات، غرباً، تغزو وتفتح قبل أن تهتم بمحيطها الاسلامي المفترض. فهي كانت ضالعة في النسيج الأوروبي الشرقي والبلقاني، بأكثر مما كانت مهتمة بالعالم العربي، في ما عدا جوارها المشرقي المباشر اضافة الى مصر، لعوامل بديهية. لم ترسل قواتها الى تونس أو الجزائر إلا عندما غزاهما الاسبان، فسارعت تصدهم، ثم امتنعت عن إدارتهما على نحو مباشر. فقام في الأولى حكم سرعان ما استقل عملياً، مكتفياً بإعلان الولاء للآستانة، في حين انحصر الحضور العثماني في الثانية في حاميات عسكرية في المدن الأساسية، الساحلية خصوصاً، لم يكن لها من نفوذ خارج أسوار تلك المدن، آلت الى ضرب من الاستقلالية بدورها وانصرفت الى مزاولة القرصنة في حوض البحر المتوسط، وخارجه احياناً، ما دامت بعض سفن القراصنة الجزائريين قد بلغت جزيرة ايسلندا!
أما المغرب، فلم تطأه أقدام العثمانيين، واحتفظ باستقلاله ناجزاً، "امبراطورية شريفية" قائمة الذات، بعد أن تمكن من دحر الغزو البرتغالي في معركة وادي المخازن الشهيرة، أو معركة "الملوك الثلاثة". كانت المعركة تلك بداية أفول مملكة البرتغال، ووفرت على الأتراك عناء التدخل. وأما جنوب العالم العربي، ذلك المطل على المحيط الهندي، فلم يأبه به العثمانيون إلا مع تزايد الرحلات الاستكشافية والاستعمارية الاسبانية في تلك الأصقاع، أو في فترات متأخرة، بعد أن بات خديوي مصر يطمح الى منافستها على النفوذ. وهكذا، ربما أمكننا القول إن الدولة العثمانية لم تكن قوة عربية، أو مركزية في المجال العربي، إلا ان نظرنا الى تاريخها من وجهة نظر مشرقية ـ مصرية.
فالسلطنة العثمانية، حتى بعد استوائها خلافة، كانت تعتبر أن الصراع على السطوة والنفوذ انما تمثل القارة القديمة قلبه ولبه، أي صراعاً على أوروبا، حيث أرست ضرباً من استقطاب ثنائي، بينها وبين الامبراطورية الاسبانية، تحتل فيه فرنسا موقع الثالثة، من حيث الترتيب والقوة، غالباً ما تسعى الى التحالف مع بني عثمان للاحتماء من جارتها الجنوبية التي كانت تخشى توسعها، خصوصاً بعد أن حاصرتها إذ سيطرت على البلاد الواطئة شمالاً. أما سائر القارة، خصوصاً جنوبها ووسطها وشرقها وأجزاؤها البلقانية، فقد كان مجالاً مفتوحاً لصراع القوتين الأعظم في ذلك الزمن، العثمانية والاسبانية.
ذلك، في حدود ما تسمح به هذه العجالة، ما يقوله التاريخ التاريخي، إن صحت العبارة، أي الحقيقي والوقائعي، لا ذلك المؤدلج، على هذا الجانب من المتوسط أو ذاك، عندنا أو عندهم، في "شرقنا" وفي "غربهم"، ومفاده أن تركيا كانت طيلة قرون، وحتى القرن التاسع عشر، قوة أوروبية، حتى إن ما عُرف آنذاك بـ"المسألة الشرقية"، ما كان يعني سوى تصفية النفوذ العثماني في شرق القارة، والإجهاز على "رجل أوروبا" (كذا) المريض".
وهكذا، فإن انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، إن تحقق، لن يكون بحال من الأحوال اجتراحاً لغير مسبوق، بل لن يكون أكثر من عودة، سلمية وعلى أساس الأخذ بنظم اقتصادية وسياسية بعينها، وتبني قيم محددة، لها طبيعة الإلزام والضرورة. غير أن اللافت هو التعامل مع ذلك الانخراط التركي الموعود والمحتمل على انه مستجد مطلق الجدة. والحال أن خروج تركيا من القارة القديمة لا يعود إلى قرن ونصف قرن على الأكثر. والمفارقة أن أوروبا الحديثة والعلمانية، نخباً ورأياً عاماً، هي التي تحسب تلك الفترة دهراً، وهي التي تتوهم وتقول، جهراً أو ضمناً، أن القارة القديمة كانت مسيحية حصراً ودوماً، وأن قوة إسلامية لا يمكنها إلا أن تكون غريبة عليها وافدة طارئة أو حديثة العهد (عن طريق هجرات العقود الأخيرة) في أفضل حالاتها، وذلك مع أن الأوساط تلك علمانية أو "زمنية" كما سبقت الإشارة، وحريصة، بصفتها تلك، على الفصل بين التاريخ المدني والسياسي وربما الثقافي ايضاً للقارة، وبين تاريخها الديني.
ذلك أن الحداثة اخترعت تاريخاً، أو تاريخها، وهذا الأخير لا يتطابق ضرورة مع التاريخ الفعلي والأمر هذا يتجاوز الحالة التركية، ليطال موقع الاسلام في القارة الأوروبية، ذلك الذي يمتنع الأوروبيون عن الإقرار بأنه كان مكوناً من مكونات قارتهم، المسيحية الهوية في المقام الأول والغالب بطبيعة الحال، وأن المكون ذاك لا يتوقف عند ما يُشار اليه عادة من تأثيرات على الصعيد الفكري، الفلسفي والعلمي، بل يستند الى حضور مديد، استمر قروناً، وما كاد يجتث من غرب القارة، بعد حروب "الاسترداد" وطرد المسلمين من الاندلس، إلا كي يتأكد في شرقها مع سقوط القسطنطينية على يدي الاتراك العثمانيين. أم أن الإغفال ذاك كان عنصراً من عناصر بناء الهوية الأوروبية مجتمعة أو على صعيد كل من أوطانها؟
لكل ذلك، فإن انخراط أنقرة في الاتحاد الأوروبي، إذا ما تحقق، ولم يحل دونه قصور تركي أو شروط مجحفة وتعجيزية تواجهها بها دول القارة، سوف يكون خطوة تعيد وصل تاريخ انصرم، لا شذوذاً عن ذلك التاريخ أو قطيعة تستحدث في مجراه.
أما إذا لم يحدث مثل ذلك الانضمام، فربما كان تفسيره أن للهويات، وطرق ابتنائها وتجليها، ديناميكيات، ملغزة، يتعذر النفاذ اليها أو يعسر، من قبيل تلك التي تجعل مالطا، وهي جزيرة متوسطية مغرقة في متوسطيتها، لغتها سامية، أقرب الى اللهجة التونسية، تبدو أوروبية لا غبار على أوروبيتها، وتعجل روسيا بلداً شرقياً، غير أوروبي أو غير غربي على أية حال، بالرغم من مسيحيتها وبالرغم من ريمسكي كوساركوف (صاحب سيمفونية "شهرزاد") وتشايكوفسكي وتشوستاكوفيتش، وبالرغم من غوغول وبوشكين وتولتسوي وديستويوفسكي، وبالرغم من الكثير من مواطن الاشتراك والتماثل بينها وبين الغرب.
فالهوية انتقائية في ما تتقبل وما تنبذ. ولعملية النبذ والقبول تلك "منطقها" الذي يشذ بها عن كل منطق عقلاني، وإن تزيّن بالعقلانية ولبس لبوسها..
ويبقى انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي الاختبار الأمثل حول رغبة أوروبا في ربط الصلة "بتاريخها" الاسلامي من عدمها.
08:22 Permalink | Email this


