« تركيا: العودة إلى أوروبا | HomePage | تسونامي أو مزج الكياني بالكوني »
23/12/2004
العراق: الانتخابات والنزاع الأهلي
صالح بشير الحياة 2004/12/19
وزير الدفاع العراقي حسين الشعلان لا يتلعثم ولا يتردد, يخوّن بالجملة ودون تمييز, يعتبر آية الله علي السيستاني والقائمة الانتخابية التي رعى تكوينها امتدادا لإيران, وهذه الأخيرة "أخطر عدو" يتربص بالعراق وبالعرب, متعهدا بوقف ما أسماه "الزحف الأسود" الذي يتهدد بلاده.
قد يكون مثل ذلك الخــطر ماثل فعلا, لكن كـــلام وزيــر الدفاع في حكــومة إياد علاوي, إذ توخـــى الشـطط اللفظي وأسرف فيه, أخفق في تشخيصه وخصوصا في الإقناع به. وقد لا ينجح إلا في استثارة طائفة بأسرها, أو منطقة من مناطق العراق بأكملها, طالما أن قائمة آية الله السيستاني تعكس طيفا من التمثيلية, السياسية والفئوية, لا يستهان باتساعه, إذ ضمت عددا من أحزاب الشيعة, إضافة إلى مكونات قبلية-سنية ومن طوائف أخرى.
وهذا ناهيك عن أن وزير الدفاع العراقي يخطئ إذ يموضع السجال الانتخابي (وقد جاءت تصريحاته في عداده وفي إطاره) على صعيد التخوين هذا, وتلك تهمة ليس أيسر من أن يردها عليه وينسبها إليه أحدهم, من طينته ولكن في موقع الاعتراض, يأخذ عليه انتماءه إلى حكومة نصبها الاحتلال, وقد يذهب مذهب المفاضلة بين "عمالة" و"عمالة" (على مقتنا لمثل هذه العبارات) ويرى أن ما كان منها لصالح إيران أقل وطأة وإثما.
والحال أنه يفترض في العراقيين أن يكونوا الأكثر حذرا والأكثر امتناعا عن تداول تهم التخوين في ما بينهم, وكفاهم في ذلك ما يوصم به منها, آتيا من الخارج, كل طوائفهم وفئاتهم, دون استثناء, فكل واحدة من هذه "خائنة" في نظر طرف ما. علما بأنه ليس بين العراقيين, أو سوادهم الأعظم والأعم, غير مواجه لضرورة خاضع لها, كابد نظاما سابقا لم يختره وفُرض عليه "تحرير" لم يُستشر لا في طرقه ولا وفي سائله ولا في أدواته ولا في توقيته, فإذا كل يواجه الوضع كما استطاع لا كما أراد, إذ أن هامش الإرادة ضيق بالغ الضيق على الجميع.
ومع ذلك, فإن "خطاب" التخوين هو السائد بين العراقيين على ما يبدو, وهناك من يصم به مجموعات بأسرها, بعضها يشكل أغلبية أو أقليات كبرى, الشيعة أو الأكراد, وذلك لعمري هو منطق التكفير عينه, في عمقه إن لم يكن في لفظه, إذ وحده من يأنس في نفسه الانتماء إلى قلة مصطفاة أو إلى "فرقة ناجية" يستسهل تعميم التخوين بمثل هذه الخفة وبمثل هذا اليقين.
يكون كل ذلك نزقا لفظيا, لا يُعتدّ به, من قبيل ما تحفل به الحملات الانتخابية عموما, خصوصا في البلدان الحديثة العهد بالاقتراع لم تألف منه إلا ما كان استفتاء لمبايعة مستبد. لكن الانتخابات العراقية ليست اقتراعا عاديا, في وضع آمن ومستتب, بل هي, بفعل تنظيمها تحت الاحتلال, وبفعل الاحتقان الأهلي الذي يستبد بالبلاد, وبفعل تنظيمها وفق أجندة يبدو أنها تستجيب إرادة أميركية لا تبالي كثيرا باستعدادات البلد, قد تضع العراق أمام احتمالات تصدع وانشقاق جارفين.
صحيح أن الانتخابات هي الترياق الأمثل لنوازع الاقتتال الأهلي ومخاطره, تموّه النزاع وتذلله إذ تنزع عنه صفته المباشرة والسافرة, أي العنيفة, إذ تحوله إلى "لعبة" كلامية, إلى اقتتال رمزي, يفصح عن اختلافات المجتمع ولكنه يبقيها دون الانفجار, يمسرح المواجهة دون أن يلغ فيها, يحول الصراع إلى جدل, ويقنع بانتصار وبهزيمة, تنطق بهما النسب المئوية ولا يُحسم أمرهما في ساحات الوغى. ولكن ذلك صحيح نظريا فقط, ونزولا عند شروط محددة. أما إذا لم تسبق الانتخابات رغبة في العيش المشترك وإذا لم تتأسس على مثل تلك الرغبة, فهي قد تصبح ذريعة من ذرائع الفرقة والشقاق, مثلها في ذلك مثل أية ذريعة أخرى.
إذ ليس للانتخابات من مفعول سحري, يكفي أن يصار إلى تنظيمها حتى تؤول المجتمعات إلى الوئام, وذلك أمر بديهي يبدو أن الغالبية باتت ذاهلة عنه. ربما يعود ذلك إلى أدلجة الفعل الإنتخابي, وهي ما يبدو أنه من سمات السياسة الخارجية الأميركية, في عهد إدارة جورج بوش الحالية على نحو خاص. فهــذه, ترى للانتــخابات فضيلة إيديـــولوجية, أي مــكتـــفية بــذاتها, دون أن تعبأ كثيرا بفضيلتها العملية. كفى الانتخابات أن تُقام وتُجرى, لتبرهن على نجاح تحقق وعــلى نتيجة أُدركت. لا يهم إن كانت أفغانستان قد أصبحت, بعــد ثلاث سنوات من انهيــار حكم طالبان, أكـــبر منتج للأفيــون في العالم, وأن أمـــراء الحـــرب لا يزالون يسيـــطرون على عدد من مناطـقها, أو مــــا إلى ذلــــك من الاعتبــارات, المهم أن تجـــري انتخابات, يفــوز فيها حميـــد كرزاي, وأن يُحـــــسب ذلك من النتائـــج الباهرة لسياســــة الولايات المتحدة. وكذلك الأمـــر بالنـــسبة إلى العراق, حيث يبدو أن الإصرار علــى بعـض المواعيد, واعتباره مقدسا, كان أهم من تهيئة الظروف لتنظيم انتخابات لا تستثني طرفا من العراقيين, وتجري ضمن شروط أمنية ملائمة, أو أقرب ما تكون إلى الملاءمة, ولا تضيف ضغائن طائفية وأهلية إلى الاحتقان السائد. فهل تكون الولايات المتحدة قد غلبت هاجس البرهنة على أنها لا تتراجع أمام الإرهاب والإرهابيين, على كل اعتبار آخر.
ذلك الموعد الانتخابي لا دافع له, فالولايات المتحدة مصرة عليه, وكذلك الحكومة العراقية الموقتة, وكذلك أطراف عراقية نافذة عدديا وسياسيا ولا سبيل إلى الطعن في مشروعية إرادتها, لمجرد أنها لا تتماشى ولا تتطابق مع إرادة أو حسابات أطراف أخرى. وإذا كان لا بد من إجراء الانتخابات تلك, إذ لا خيار غير ذلك, فلتُخض على نحو يذلل مفاعيلها السلبية المحتملة على البلاد وتركيبها الهش, ولتكن لحظة البحث عن بعض عناصر الإجماع, مهما كانت ضئيلة ضامرة, حتى لا تكون الانتخابات فاتحة الاقتتال الأهلي ومقدمته.
والأمر هذا قد يعني سنّة العراق على نحو خاص, أولئك الذين ربما كانوا في حاجة إلى البحث عن طريق ثالثة بين مقاومة مسلحة لم تتحول إلى مقاومة وطنية شاملة على ما كانوا يأملون, وبين الركون إلى الانكفاء والإحجام والمقاطعة, بأن يبدأوا بلجم التطرف في صفوفهم, إن وُجد بينهم من كان قادرا على ذلك, مستلهمين في ذلك المؤسسة الشيعية, تلك التي عرفت كيف تعالج مشكلة مقتدى الصدر, فلم تترك له فرصة جرها نحو صدام لا تريده ولا أباحت للأميركان قتله.
08:30 Permalink | Email this


