« الإشكال السني في العراق | HomePage | تركيا: العودة إلى أوروبا »

18/12/2004

النخب العربية وفهم الصين؟

المستقبل - الاحد 12 كانون الأول 2004 - العدد 1776 - نوافذ - صفحة 10




صالح بشير

هو "القرن الصيني" هذا القرن الجديد، أقله على ذمّة وسائل الإعلام، وإن درجت هذه الأخيرة على ما كان من الأحكام متسرعًا وما كان من التشخيص متهافتًا. مضى زمن الاستهانة بـ"إمبراطورية الوسط" وبنموها الاقتصادي، ذلك الذي كان يُدهش ولكنه ما كان يبعث على القلق أو يخيف، إذ كان يُعتقد بأن الغرب بلغ من التقدم شأوا يعسر على بلد مثل الصين استدراكه، وأن هذه الأخيرة إن نافست فلن تنافس إلا قطاعات غربية هشة، تجاوزها هذا الزمن ما بعد الصناعي، من أنشطة ملوِّثة أو تتوخى تقنيات عفا عليها الزمن.
لكن "العملاق الأصفر"، لمن يبجّل التوصيفات العرقية، أو "العملاق الأحمر" لمن يفضل الكنايات الإيديولوجية (بعد أن انفردت الصين بـ"الحُمرة" إثر انهيار الاتحاد السوفياتي فبدا ذلك من علامات تخلفها المقيم)، كذّب كل تلك التوقعات. فـ"المايد إن شاينا" ما عاد يكتفي بإغراق أسواق العالم بالملابس الرخيصة وبالأواني البلاستيكية وباللعب الوضيعة، بل اقتحم "ساحة الكبار" كما يقال. وباتت بكين قوة اقتصادية كبرى، احتلت موقع إيطاليا في المرتبة السادسة عالميًا، وهي ستدرك فرنسا وبريطانيا وستتجاوزهما وشيكا، بل أنها في بعض المجالات أضحت تواجه الولايات المتحدة مباشرة، تضاهيها أو تسعى إلى مضاهاتها، في البحث العلمي والتكنولوجي مثلا، أو في اجتذاب العقول، بدءا بكفاءاتها المهاجرة والتي بدأت في استعادتها. ثم أن الصين ما عادت فقط مجالا لاستثمارات مجزية، بل هي مصدر للرساميل، يُرجى ويُخطب ودّها، ونموّها في أوج اندفاعه، لا يتوجس البترول بخمسين دولارا للبرميل الواحد ولا يبدو متأثرا بالاضطرابات الجيوبوليتيكية التي يكابدها عالمنا الراهن.
الصين حالة فريدة، ليس فقط لأن وتائر نموها غير مسبوقة في التاريخ، لم تعهدها حتى بريطانيا إبان ثورتها الصناعية، بل وكذلك لأنها البلد الوحيد من العالم الثالث أو لنقل من العالم غير الغربي (مع ما في التوصيفين من تقريبية)، الذي انتقل إلى التقدم الاقتصادي دون دعم خارجي، إيديولوجي الدوافع في الغالب، ما يميزه عن اليابان وسواه من "نمور آسيا" وحتى عن بعض بلدان الجنوب الأوروبي التي استفادت أيما استفادة من الحرب الباردة ومن هاجس ابتعاثها نموذجًا (ناجحًا) مضادا للشيوعية. بل أن الحالة الصينية تلك ربما استوت دحضًا لكل النظريات المتعلقة بالحداثة وبالتحديث الاقتصاديين وسواهما: بلد زراعي في المقام الأول، كثير السكان، يحكمه استبداد خانق، أي أنه يتصف بكل ما من شأنه، وفق النظريات الشائعة مُسلَّماتٍ، استتباب التخلف أفقا يكاد يبلغ مبلغ الأبدية.
والحال أن التجربة الصينية تتطلب سبرا، لم يحصل حتى الآن حتى في تلك البلدان الغربية، التي تكتفي غالبا بترديد "أقانيم" جاهزة وقاصرة من قبيل تفسير كل شيء بما يُسمّى "القيم الآسيوية". بل أن أبرز ما يلفت أن التجربة الصينية لم تستثر الذهن العربي أو ما تسميه رطانتنا المستشرية "العقل العربي"، مع أن في التجربة تلك ما من شأنه أن يستثير كل النخب غير الغربية التي يفترض فيها البحث، جاهدة، عن سبل التوصل إلى تقدم تعذر حتى الآن وامتنع.
وللعزوف ذاك عن استنطاق التجربة الصينية، عوامل عدة. لعل أبرزها أن "النخب" العربية، أو ما يقوم مقامها (تجاوزا في الغالب) تتسم بنظرة محلّية ضيقة في محليتها، استفحلت مع استفحال الانكفاء على الهوية، تجعلها لا تعبأ إلا بـ"سرّة" قضاياها المصيرية، ذاهلة تمام الذهول عما يجري في العالم الرحب، وعن استلهام طرق أخرى جُربت من قبل الآخرين فصحّت أو لم تصحّ، أو عن مجرد البحث فيها.
وربما كان مرد ذلك أيضا إلى أن "النخب" تلك تقليدية في العمق، بما في ذلك أكثر مكوناتها ادعاءً للإصلاح والتغيير والثورة وما إلى ذلك من مثل أفعال التجاوز المزعومة تلك (المزعومة لأنها لم تفض إلى شيء ولم تفلح في الانتقال بشعوب المنطقة من طور إلى طور، عدا ما تمليه الهزائم). ولأن "النخب" العربية تقليدية فإنها تعتبر، في قرارة النفس، وعلى نحو إرادي أم لا، لا فارق، أن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحداثة وتجاوز التخلف قد طرحت مرة واحدة وبشكل نهائي، إبان عصر النهضة، وإنه لا سبيل، بعد ذلك، إلا إلى إعادة طرحها على النحو نفسه واجترارها إلى ما لا نهاية، فلا يُضاف إليها ولا يُنتقص منها. ولعل ذلك ما يفسر الاهتمام المقيم بالتجربة اليابانية، تلك التي لا تزال تحبّر بشأنها المقالات والكتب، دون بلوغ مبلغ المعرفة الدقيقة والمباشرة بطبيعة الحال، إن هي إلا عموميات يصار إلى ترديدها. ومعلوم أن التجربة اليابانية قد حظيت باهتمام رجال عصر النهضة واسترعته، لأهمية توسموها فيها، بوصفها أول مسعى جاد، أصاب قدرا من النجاح، إلى التحديث خارج العالم الغربي. ولكن الاهتمام ذاك، وقد كان في زمانه بالتأكيد عينيا وتجريبيا (أو أمبيريكيا)، قد أرسى سنّة، لها من التمكن ما للسنّة في المجال الديني، وحوّل التجربة اليابانية تلك إلى ما يشبه البراديغم المُلزم في الذهنية العربية الباحثة في قضايا التخلف والتقدم والانتقال من الأول إلى الثاني.
هذا إلى جانب عامل آخر، لا شك في أنه قد كان له بالغ الأثر في ذلك الحفول بالتجربة اليابانية، على نحو يكاد يكون حصريا، هو ما وسمها في بعض أطوار تاريخها الحديث من مظاهر القوة ومن جنوح عسكري. وهي مواصفات أخاذة بالنسبة إلى ذهنية عربية تنظر إلى العلاقة بالغرب نظرة صِدامية، عسكرية في المقام الأول، مع أن الأداء في ذلك الصدد معلومة طبيعته ومعلومة مآلاته. وهكذا، فإن اليابان التي استهوت، منذ عصر النهضة، هي تلك التي ألحقت الهزيمة بروسيا (وهذه عُدّت غربا) في سنة 1906، أو تلك التي تحولت إلى قوة عسكرية كبرى في الحرب العالمية الثانية، واحتلت معظم العالم الآسيوي المطل على المحيط الهادئ، قبل هزيمته على يدي الولايات المتحدة، لا يابان التقدم العلمي والتكنولوجي، صانعة السيارات والأجهزة الإكلترونية. وفي نظر عقلية مثل تلك، لا يمكن للصين، التي انتظرت هادئة انتهاء مدة "إيجار" هونغ كونغ كي تستعيدها من بريطانيا، رغم أن الأخيرة باتت "أسدا عجوزا" انكسرت أنيابه، أو لا تقدم على استرداد جزيرة تايوان من نظامها الانفصالي الآبق، أن تستهوي عقليتنا "النضالية" أو "الجهادية"، وما إلى ذلك من تسميات لا تتعاقب إلا كي تنطبق على نزوع فينا مقيم سرمدي.
وأنكى ما في الأمر أننا حللنا محل الصين وبديلا عنها في الاضطلاع بدور العدو بامتياز. إذ موضوعيا، ليس هناك من خصم جدّي للولايات المتحدة غير ذلك "العملاق الأصفر"، فهو القوة الصاعدة اقتصاديا وعسكريا، وهو المرشح لمنافسة واشنطن على النفوذ في العالم، أو في بعض أصقاعه الحيوية، أي تلك الآسيوية، في يوم من الأيام بات وشيكا. وفق الحسابات الإستراتيجية الحقيقية، لا تلك الخطابية والدعائية، ذلك ما يجب أن يكون عليه صراع النفوذ في العالم، ولكن لمفارقة ما، بفضل أسامة بن لادن ومن كانوا على شاكلته أو بذريعتهم، اصطُفينا بديلا، مؤقتا بالتأكيد، للاضطلاع بوظيفة العدو الإستراتيجي، ربما في انتظار أن يتبلور النصاب الإستراتيجي الدولي الجديد، أو لأسباب ولعوامل أخرى لا تزال غائبة عنا.
وعندها، قد نؤول، نحن و"إرهابنا"، إلى حجمنا الحقيقي: مشكلة أمنية على أقصى تقدير، لا عنصرا تأسيسيا في موازين القوة في العالم... ولكننا، في انتظار ذلك، سنكابد الكثير، من قبيل ما يجري في العراق وفي الأراضي الفلسطينية.

19:53 Permalink | Email this