05/12/2004
هويات مرغوبة وأخرى مرذولة
المستقبل - الاحد 5 كانون الأول 2004 - العدد 1769 - نوافذ - صفحة 13
صالح بشير
الحادثة (إذ هي بقيت دون القضية) كانت قد أثارت بعض لغط في إيطاليا قبل أسابيع: زوجان من جنوب البلاد، رُزقا بمولود انتظراه طويلا، غير أن خيبة أمل أفسدت سعادتهما ونغّصتها، إذ بوغِتا بطفلٍ أكثر "سمرةً" مما توقّعاً أو مما يطيقان.
التفسير الذي ارتآه الزوجان، وهما عاقران أو عاقر أحدهما، في تعليل تلك "الكارثة" أن خطأ ما قد حصل، عندما لاذا بأحد المستشفيات، بعد أن أعيتهما الحيلة، يجريان عملية تخصيب اصطناعي. وهو على أية حال ما أقر به المسؤولون في المستشفى المذكور، إذ صرح أحد أطبائه، بعد تحرّ وتقصّ، بأن هفوة، ناجمة عن سهو، قد جدت فعلا، إذ استُخدمت في تلك العملية أدوات كانت "تلوثت" في عملية سابقة بمنيّ رجل من الشمال الإفريقي. وبذلك اطمأن الزوجان على وشيجة الوفاء بينهما، وعلى "بياضهما" وعلى أن "السمرة" ليست من صلبهما، وازدادا تبرما بما تتسم به مؤسسات البلاد، خاصة كانت أم عامة، من فوضى واستهتار، وإن كانا يعلمان ذلك علم اليقين، شأن سائر الإيطاليين، دون ما حاجة إلى مكابدة مثل هذه الحادثة... ثم خبت تلك القصة بعد أن شغلت وسائل الإعلام حيناً.
غير أنها تركت أسئلة لدى المراقب: هل كانت "سمرة" المولود ذاك لتلفت انتباه والديه قبل سنوات من الآن؟ الأرجح أن لا. فالفكرة القائلة بأن السمرة وافدة طارئة على إيطاليا فكرة مستحدثة. ذلك أنه إذا كان ما يميز الإيطاليين عن سواهم من المتوسطيين، لا سيما من سكان جنوب ذلك البحر وشرقه، كثير وبديهي، إلا أن لون البشرة قد لا يكون في عداده، أو قد لا يكون أهمه وأبلغه دلالة والمعيارَ الفصل. وزائر المناطق الجنوبية من موطن دانتي، لا يكاد يجد، على صعيد سحنة السكان، ما يباين بينهم وبين أبناء شمال إفريقيا القريبة أو أصقاع متوسطية أخرى، بلقانية أو سواها.
لكن شيئا ما حدث في البلاد، تغيرا في النظرة إلى الذات وإلى الآخر، جعل الوالدين المذكورين، يشتبهان في "سمرة" مولودهما الجديد، ويبحثان عن مصدرها في عنصر وافد، لا في مواصفات يختزنهما رصيدهما الجيني، تلقياهما من أجدادها أو من أجداده. صحيح أن اعتراف المؤسسة الطبية قد أيد شكوكهما حتى استوت لديهما يقينا، لكن المؤسسة المذكورة افترضت في ما ذهبت إليه ولم تجزم، ثم إن أهم ما يلفت في الأمر هذا، بقطع النظر عن صواب التعليل من عدمه، أن إيطالييْن من الجنوب اعتبرا أن في سمرة مولودهما ما يثير الريبة حول نسبته البيولوجية إليهما، وهو مقياس قد لا يكون، في تلك المناطق، واقعياً.
لكن الواقعية آخر الهموم عندما يتعلق الأمر بنسج أساطير الهوية، وبمحضها إيماناً يقينيا متمكناً تمكّن كل وهم إيديولوجي، أي يستوي في أذهان أصحابه حقيقة راسخة. و"الحقيقة" تلك تتعلق بالمفهوم الذي بات لدى لإيطاليين، وربما لدى شعوب أخرى من جنوب القارة القديمة، حول أوروبيتهم.
بطبيعة الحال، ليس من ينازع الإيطاليين في أوروبيتهم تلك أو يجحدهم عليها، ولكنهم هم الذين باتوا يعتبرون أن الصفة تلك إنما تتجسد حصرا في شعوب شمال القارة، من جرمان وأنغلوساكسون وما إليهم من اسكدينافيين، وأنه ليس لهم سوى التماهي مع هؤلاء، مع في ذلك التماهي من افتعال كثير. والمسلك ذاك لا يُلحظ فقط لدى النخب السياسية والثقافية، بل هو، وذلك ما قد يكون الأهم، بصدد الاستشراء ضرباً من إيديولوجيا شعبية، يلمسها المرء في ظواهر كثيرة من الحياة اليومية، وفي التفاعل مع مجريات أحداث من صنوف شتى.
فقبل فترة، كنا نساهر إيطاليين، نشاهد معهم فيلما أميركيا يدّعي الفكاهة، عنوانه "زفافي اليوناني الدسم السّمين"، حول شاب "أبيض"، أي أنغلوساكوني، يتعرف على فتاة يونانية ويقع في غرامها ويطلب يدها للزواج. كل "الحبكة" الفكاهية للفيلم تقوم على عنصر هش بل فقير بالغ الإدقاع (ولكنه لا يخلو من فاعلية، على ما توحي قهقهات الحضور)، هو تبيان المفارقة بين عائلة الفتاة اليونانية، وهي كبيرة العدد، صاخبة أكولة استعراضية فولكلورية، وبين أسرة الشاب، وهذه تنحصر في كهلين هادئين، عقلانيين، متحفظين، بارديْن، متقشفين قولاً وسلوكاً. ما كان لافتا في تلك السهرة، ليس الفيلم وأحداثه السخيفة والمكررة وفكاهته المبتذلة بل ردود فعل أصحابنا الإيطاليين وتعليقاتهم، فقد كانوا يتماهون مع "الفريق" الأنغلوساكسوني في الفيلم، يعتقدون اعتقادا راسخا بوجود "نحن" تربطهم به على قاعدة الانتماء المشترك إلى "غرب" لا يمكنه إلا أن يكون شماليّا، وتُقصي "الآخر"، وهو في هذه الحالة العائلة اليونانية، وتستغرب أفعاله وتستهجنها. أما كون "الآخر" هذا هو الأشبه حقيقةً بالذات، وأن الـ"نحن" تلك افتراضية إلى أبعد حدود الافتراض، فذلك ما لم يخطر ببال أحد من الحضور ولا حدا به إلى توخّي النسبية، مع أنهم يتأتون بالتأكيد من عائلات، كثيرٌ عديدها لا تقل صخباً وفولكورية عن تلك اليونانية، وأبعد ما تكون عن نموذج "الكوبل" الأنغلوساكسوني، إن سلمنا بوجود ذلك النموذج.
لكن الهوية تكون مُبتغاة ولا تكون فقط إرثا. تكون اعتقاداً لا وقائع. والاعتقاد أقوى من الوقائع، ينتحلها انتحالاً إن أعوزته وافتقر إليها، لا يردعه في ذلك رادع، ولا حتى الوقوع في أقصى التناقضات، أو أسخفها في بعض الحالات أو أدعاها إلى الضحك، شأن ذلك المركز التجاري الكبير في أطراف روما، يعرض ثمار الصبّار (ويبيعها غالياً) إلى جانب الفواكه الإكزوتية، تلك المستجلبة من الأقاصي الاستوائية، مثل المانغا والغويافا، مع أن أشجار الصبار تحيط به من كل جانب، مثقلة بثمارها في متناول من يريدها. فأصحاب ذلك المركز التجاري، وزبائنه ربما، يعتبرون أن الثمرة تلك لا يمكنها أن تكون أوروبية، حتى وإن انتشرت في جنوب البلاد وحتى إن درج الناس على تناولها، جزءاً من اغتذائهم العادي والمبتذل، طيلة قرون. أو أن من اعتقد غير ذلك لا يُفصح، حتى لا يُطعن في "غربيته".
فالأوروبية شمالية أو لا تكون، وكل ما عداها وافد، غريب، إكزوتيكي، يُتنصل منه ويُنكر، حتى وإن كان أصيلا في أرض القارة، أو بعض أرضها الجنوبي، ضارب في القدم، أو حتى وإن كان من السمات الفارقة لبعض سكانها ومن عناصر بنيتهم الأنثروبولوجية العميقة...
هل تكون هذه الاستخلاصات مشطّة، إذ تستند إلى مُتفرق السلوك اليومي، وإلى بعض نافل الأقوال والأفعال والتصرفات؟ الأرجح أن لا، بل إنها ربما كانت أكثر دلالة من التنظيرات الكبرى ومما تحبّره أقلام المثقفين، إذ هي، في "تواضعها" ذاك، خير مقياس لمدى تمكن إيديولوجية بعينها، ترسخت أو هي بصدد الترسخ لأنها باتت شعبية.
ثم إن مثل تلك الظواهر قد تُنبئ عن كيفية ابتناء الهوية وابتعاثها أو ترهينها، وعن أن العملية تلك لا تستند بالضرورة إلى "ثوابت" مُعطاة، بل قد يتخللها اصطناع كثير وانتحال أكثر. وهي تجري على أية حال على نحو انتقائي، قد لا يتحرج من الوقائع وقد لا يأخذ بها علماً، بل قد يستقوي على وجودها الموضوعي، والذي علمتنا "العلموية" الحديثة بأنه ماثل عنيد لا سبيل إلى التغاضي عنه، بيقينية إيديولوجية لا يقف في وجهها شيء، تسهل عملية التغاضي تلك وتجعلها أمرا يسيرا في المتناول، عندما تتوفر ظروفها، خصوصا في لحظات التحولات الحضارية الكبرى أو عندما يجدّ خلل عميق في ميزان القوة، من سويّةِ ما لا يقاس حصرا بمعايير السطوة المادية، اقتصادية كانت أم عسكرية. هكذا على نحو ما ترى أمة بأسرها، مثل تلك الإيطالية، أنه يتعين عليها أن تشخص نحو الشمال، أو عندما ترى أخرى أنه يجب عليها الإرتكاس نحو لحظة من الماضي البعيد.
11:43 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.