30/11/2004
Stat
14:38 Permalink | Comments (0) | Email this
29/11/2004
مؤتمر شرم الشيخ
صالح بشير الحياة 2004/11/28
عندما اقترحت الولايات المتحدة فكرة المؤتمر الدولي حول العراق, وكان ذلك في أوج حملة الرئاسيات الأميركية الأخيرة, اشتبه الكثيرون (وآفة الأخبار محللوها والمعلقون عليها لا رواتها كما كان يقول القدماء) في أن الرئيس بوش إنما أراد منها مخرجا من ورطة, ومهربا من انتقادات انهالت عليه, تأخذ عليه سياسته العراقية وتنوه بإخفاقاتها.
لكن الرئيس بوش قاد حملته الانتخابية وكأن الحرب ليست دائرة في العراق, وكأن قواته لا تواجه فيها ما تواجهه من مصاعب معلومة, وقبل بعقد المؤتمر العتيد بعد مضيّ موعد الاقتراع, فكان أن أعيد انتخابه, فحققت استراتيجيته تلك نتيجة لم تكن مرجحة, أقله في نظر من يفترضون في السياسة عقلانية ما, خصوصا بين "المتأوربين" من نخب الحزب الديموقراطي والموالين له في الولايات الساحلية الأميركية.
مآل ذلك هو ما رأينا في شرم الشيخ: الرئيس الأميركي لم يستقو بالمؤتمر الدولي حول العراق كي يعاد انتخابه, بل استقوى بإعادة انتخابه, على ذلك النحو المعلوم, على المؤتمر الدولي إياه, ذلك الذي كان في حقيقة أمره مؤتمرا أميركيا, دُعيت إليه دول العالم, أو تلك التي تأنس في نفسها بعض وزن, ودول المنطقة ومنظمات دولية, كالأمم المتحدة, أو إقليمية, كالجامعة العربية, كي تصادق, في العمق وفي نهاية المطاف, على سياسة واشنطن في بلاد الرافدين. وتلك حقيقة لا تتستر عليها بعض استدراكات طفيفة, في البيان الختامي وفي التعليقات الرسمية عليه, أو بعض تحفظات نافلة صدرت من هنا أو من هناك. وكل ذلك, قيل وكُرر خلال الأيام الأخيرة بما يغني عن كل استفاضة أو استزادة.
لكن الإقرار بما سبق لا يعفي من طرح هذا السؤال الأساسي: لماذا تلوح الولايات المتحدة (بين سائر دول العالم, في ما عدا إسرائيل ربما وعلى نطاق أضيق), في حل من إخفاقاتها ومن أخطائها, لا تنال من أرجحيتها ولا تضعفها, أقله في هذا الشأن العراقي تحديدا وتخصيصا؟ هل يعود ذلك إلى ميزان القوة وإلى انخرامه الفادح لصالحها, يحصنها من تبعات أخطائها ويدرأ عنها مفاعليها؟ قد يكون. إذ أن هامش الخطأ يتسع في وجه القوي, حتى يبلغ مبلغ المفازة التي لا يحدها البصر كما هي الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة على ما يبدو, كما يضيق في وجه الضعيف إلى درجة التلاشي والعدم. لكن التفسير هذا, إن سلمنا بصحته, يظل من قبيلٍ بالغ العمومية أو على قدر من "ميتافيزيقية", ناهيك عن أنه يوحي بضرب من جبرية لا فكاك منها في مستقبلٍ منظور.
الأرجح أن ضعف الاعتراض على سياسة الولايات المتحدة في العراق يعود أيضا, وربما أساسا, إلى أخذه برهانات ما انفك يتضح عدم جدواها. نحن بطبيعة الحال نستثني من هذا الاعتبار الدول العربية, فهذه عجزها أصلي بنيوي, وهي تفتقر إلى كل سياسة, حتى أن الدولة الأكبر بينها ضاق بها مجال التأثير حتى انحصر فعلها في الاضطلاع بوظيفة "الماجوردوم" (أو كبير الخدم في قصور النبلاء), تنظم المآتم وتتعهد المؤتمرات والندوات وتتولى وساطات لا أثر لها يُذكر في مجريات الأمور, وتقنع بتلك "الحركية" المفرطة, تعتبرها آية وزن دبلوماسي يُحسب حسابه.
وأول تلك الرهانات الخاطئة قد يكون ذلك المتمثل في التعويل كثيرا على تورط الولايات المتحدة في "المستنقع العراقي", كما تقول اللغة الصحافية السيّارة, وإيلاء التورط ذاك خصالا ردعية لا ريب فيها. مشكلة الرهان هذا أنه سلاح ذو حدين. إذ كما يمكن ابتزاز الولايات المتحدة باضطراب الوضع العراقي وبعجزها عن السيطرة عليه, يسع الولايات المتحدة أن تبتز العالم (ذلك الذي يُحسب حسابه أو يعتقد ذلك), بدءا بدول الجوار, بالاضطراب إياه. كلفة هذا الأخير باهظة للطرفين طبعا, للولايات المتحدة وللمعترضين عليها, ولكن ليس على نحو متكافئ. فهو يكلف الولايات المتحدة مالا وفيرا, بلايين الدولارات, وقتلى في صفوف جنودها, وتشويها لصورتها, لكن بلاد العم سام أبدت حتى الآن قدرتها على المكابدة, خصوصا وأن الرأي العال لا تلوح عليه علامات انقلاب على قادته, بل على العكس من ذلك, يبدي مصادقة متحمسة أو لا تخلو من حماس, كما دلت الانتخابات الأخيرة, في حين أن جرائم كتلك شهدها معتقل أبو غريب أو مجازر الفلوجة, بما فيها صورة الجندي الأميركي وهو يغتال جريحا, مما يمكن للديموقراطية أن تستوعبه وأن تمتصّه, ما دامت وسائل الإعلام الأميركية هي السباقة إلى فضح مثل تلك الجرائم وإلى التنديد به, وهو طقس يمكّن الولايات المتحدة من أن تستعيد "عذريتها" في ذلك الصدد.
والأمر ليس كذلك بطبيعة الحال بالنسبة إلى الطرف أو إلى الأطراف المقابلة. فهي الأكثر تخوفا من تمادي الإضطراب العراقي ومن استفحاله, بحيث أن خيارها في ذلك المجال ضيق بالغ الضيق وينطوي على مخاطرة: فهو يقع بين تمني استمرار ذلك الاضطراب بما يحول دون استتباب الأمور للاحتلال الأميركي من ناحية, وبين رجاء أن يتمكن الاحتلال إياه من السيطرة على الاضطراب ذاك حتى لا تمس شظاياه المنطقة بأسرها وما وراءها, خصوصا بعد أن "استوردت" الحرب الأميركية الإرهاب إلى أرض العراق, من ناحية أخرى وفي الآن نفسه. والمقاربة هذه بائسة. فهي عدا عن كونها تحمل العراق ما لا قبل به وما لا طاقة عليه, أي الاضطلاع بمفرده بدحض الأحادية الأميركية وبإفشالها, لا تمثل سياسة جديرة بهذه التسمية, إذ أنها تستند على عنصرين ليست لها قدرة على التحكم فيهما: الأداء الأميركي في العراقي, عسكريا كان ذلك الأداء أم سياسيا, وقدرة المقاومة العراقية على الاستمرار, ولهذه الأخيرة سماتها المعلومة والتي لا تطمئن, أولاها عجزها عن التشكل في كيان سياسي محدد الملامح واضح القسمات والبرامج و"الخطاب", وثانيتها طابعها الطائفي الذي لم تتمكن من تجاوزه, حتى من باب الحصول على ما يشبه التفويض الوطني من بقية مكونات الكيان, إن لم يكن المساندة, على ما حصل مع المقاومة الشيعية في جنوب لبنان. وثالثة تلك السمات, أنه خالطها الإرهاب الوافد من خارج الحدود, والعابر لها, من حيث أولوياته وأجندته, ناهيك عن أخذه بعنف أهوج, لا سياسي تعريفا.
كل ذلك, إلى عوامل أخرى كثيرة, أفضى إلى ضعف الاعتراض على سياسة الولايات المتحدة في العراق, على النحو الذي أظهره, بل فضحه, مؤتمر شرم الشيخ.
18:31 Permalink | Comments (0) | Email this
25/11/2004
``What We're Fighting For" - A Follow-Up
By Saleh Bashir, Hassan Mneimneh, Hazem Saghie
About terrorism, Iraq and the "Just War"
http://www.americanvalues.org/html/wwff-a_follow-up.html
10:25 Permalink | Comments (0) | Email this
Ad
07:59 Permalink | Comments (0) | Email this
24/11/2004
Stat
09:45 Posted in Web | Permalink | Comments (0) | Email this
21/11/2004
تصدع المشرق العربي
تصدع المشرق العربي
تأليف: حازم صاغية وصالح بشير
دار الريس - بيروت
17:35 Posted in Books | Permalink | Comments (0) | Email this
إعادة اختراع الوطنية الفلسطينية
صالح بشير الحياة 2004/11/21
مطلب تعجيزي ذلك الذي رفعه الرئيس جورج بوش في وجه الفلسطينيين, أثناء لقائه الأخير مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير: إحلال الديموقراطية في صفوفهم وفي تسيير شؤونهم, شرطا شارطا لإنشاء دولتهم المستقلة في موفى سنة 2009, على ما قال الرئيس الأميركي, كمن يهيء مسبقا أسباب التنصل من تبعات هذا "الوعد" عندما يحين موعده دون أن يتحقق, وهو بطبيعة الحال غير مرجح التحقق, بل متعذر التحقق.
فجورج بوش سيخذل أوهام البعض, من محللين قُصّر ومن متنبئين في زمن استفحال آفة "المفكّرين" هذا, من أن الرجل سيكون, في فترته الثانية والأخيرة, وقد تخفف من كل هاجس انتخابي, أكثر حزماً في معالجة المسألة الفلسطينية, كأنما علاقة ذلك الرئيس "المؤمن" و"المولود من جديد مسيحياً" مع إسرائيل ويهود الولايات المتحدة محض انتخابية, أو مصلحية في المقام الأول (أكانت المصلحة شخصية أو وطنية) وليست من ذلك القبيل الإيديولوجي الراسخ والمتين والمعلوم لدى سيد البيت الأبيض, أي أقنوما إيمانيا حتى وإن لم تصوّت غالبية مواطنيه اليهود لفائدته, على ما حدث فعلاً.
من الواضح أن الرئيس الأميركي تفوه بتاريخ 2004 ذاك اتفاقاً واعتباطاً, ربما لأنه الأبعد في زمن ولايته الثانية, في مؤتمر صحافي ومن باب الصدّ المُهذب, لما اقترحه رئيس الوزراء البريطاني, الذي هرع إلى واشنطن حال إعادة انتخاب حليفه, يهيب به أن يولي "أزمة الشرق الأوسط", كما كان يقال حتى وقت قريب وقبل أن يصبح للشرق الأوسط أزمات, اهتماماً ملموساً, بالدعوة إلى مؤتمر دولي أو بتعيين مبعوث خاص, دون أن يُستجاب.
غير أن كلام جورج بوش ذاك, وإن كان كاذباً "وقائعياً" إلا أنه صادق إيديولوجيا. فالرجل يرى فعلاً أن الديموقراطية تسبق الاستقلال. فهي, في نظره, شرطه الضروري بحيث أن انعدامها يُبطل السيادة, أكانت مكسباً قائماً أم هدفاً منشوداً.
وغنيّ عن القول إن مبدأ كهذا, لو طبق حرفيّاً, لأدى إلى فقدان معظم بلدان الأرض لاستقلالها ولبعث في أوصال الحياة الدولية انخراماً لا حدود له. بل أن الرئيس الأميركي, وهو كما هو معلوم من كبار المجددين في مجال الفكر السياسي (-!), يرى أن لا تناقض بين الاحتلال وإقامة الديموقراطية, بل قد يعتبر ذاك شرطاً لهذه, إذا كان المحتل ديموقراطياً طبعاً, على شاكلة بلاده في العراق وإسرائيل في الأراضي الفلسطينية.
لذلك, فإن أكثر الاحتمالات خطراً هو أن يؤخذ كلام جورج بوش, حول الدولة الفلسطينية في سنة 2009, على محمل الجدّ, كما قد يسارع إلى الفعل "واقعيون" و"معتدلون" بين الفلسطينيين والعرب. بطبيعة الحال لا أحد يستكثر الديموقراطية على الفلسطينيين, أو لا يتمناها لهم واقعاً يعيشونه وأفقاً يشخصون نحوه, لكن المسألة ليست هنا, بل في أن بوش يرفع شعار الدمقرطة في وجه الفلسطينيين كمطلب تعجيزي, كما سبقت الإشارة, وذلك لأمر أساسي: هو علمه علم اليقين (أما إن لم يكن يعلم فالطامة أكبر), أن الصراع الجاري حالياً, في هذا العهد الشاروني, يطال الوجود السياسي الفلسطيني أصلاً, لا نوعية ذلك الوجود وطبيعته وتجلياته, الديموقراطية أو الاستبدادية, كما دلت, بوضوح وجلاء, الاستراتيجية التي توخاها شارون, بدأب ومنهجية, خلال السنوات الأخيرة.
و"الواقعية", وهي نبيلة قبل أن يبتذلها العرب ويحوّلوها إلى شتيمة يوجهها دعاة التعنت الأرعن, أو إلى ذريعة يتوسلها سياسيون من فصيلة الرخويات, للإقبال على كل مساومة, تعني ببساطة تقدير واقع الحال بدقة أو بأقرب ما يكون إلى الدقة. وهي إذا كانت في مرحلة سابقة قد سوّغت التوقيع على اتفاقات أوسلو كخطوة نحو الحل, تُمكّن الفلسطينيين من استعادة بعض حقوقهم ومن إقامة وجود سياسي لهم على بعض أرضهم وفق ما تتيحه موازين القوة وظرف دولي بعينه, فإن الواقعية تلك باتت اليوم تقتضي الإقرار بأن الفترة هذه ليست فترة تسويات, حتى من ذلك القبيل المجحف, لأن الأمر بات يتعلق بالوجود السياسي الفلسطيني من عدمه وليس نوعية ذلك الوجود.
وللإقرار بذلك تبعات, أولاها الكف, حتى من باب التكتكة السياسية, عن ترديد ما قالته إسرائيل وأفلحت في ترسيخه على ما يبدو, من أن الراحل ياسر عرفات كان عقبة في وجه "التسوية", وأن غيابه من شأنه أن يبعثها من جديد, ذلك أنه ليس من "تسوية" في الأفق. لا إسرائيل تريدها ولا الولايات المتحدة, وقد بلغت في هذا العهد البوشي أوج التماهي مع الشارونية, في وارد إجبارها عليها, ولا بقية القوى الإقليمية والدولية قادرة على إعادة إدراجها في واقع النزاع. وثانية تلك التبعات, الإقلاع عن وهم الاعتقاد بأن إسرائيل ستسمح بالانتخابات الفلسطينية وأنها لن تبذل كل ما في وسعها (وهو كثير) من أجل عرقلتها وإجهاضها, خصوصاً إذا ما تفضل عليها أحدهم بـ"عملية استشهادية" في اللحظة المناسبة وفي المكان المناسب (مقهى في تل أبيب أو سوق مكتظة في يافا).
والحال أنه إذا كانت إسرائيل الشارونية قد استهدفت الوطنية الفلسطينية عندما كانت ممثلة في شخص "القائد الرمز", وقد زاول السلطة على ذلك النحو المعلوم, فكيف يمكنها أن تتسامح معها إذا ما تجسدت في مؤسسات (بذلت كل الجهد في تدمير ما كان قائماً منها)... وديمقراطية فوق ذلك!
ذلك ما يبدو أن الفلسطينيين لا يزالون دون تبيّنه على نحو كامل, إذ أنهم لا يزالون مقيمين في "ذهنية" التسوية, سواء كانوا من دعاة هذه الأخيرة أو من مناهضيها. أولئك يحسبون أنه يكفي الإدلاء ببعض التصريحات المعتدلة, والحديث عن الشفافية ومكافحة التطرف وما إلى ذلك, كي يتأهلوا لطاولة التفاوض من جديد. وهؤلاء ما انفكوا يحاربون أوسلو, قائلين مثلاً إنه لا سبيل إلى المشاركة في الانتخابات الفلسطينية ما دامت ستجري تحت سقف تلك الاتفاقات, كأنهم لا يعلمون أن شارون قد وأد أوسلو وأنهاها وجبّها وجعلها نسياً منسياً.
لكل ذلك, فإن ما يواجه الفلسطينيين الآن ليس التنافس على سلطة باتت حطاماً على أية حال, أو التواجه حول "تسوية" ما عادت قائمة أصلاً, ولا يبدو أنها ستقوم في المستقبل المنظور, أقله في غضون السنوات الأربع المقبلة من حكم إدارة الرئيس بوش, تلك التي بين أعضائها من يعتبر أي "تنازل" للفلسطينيين, حتى من قبيل ما قد يقدم عليه رجل مثل شارون, تفريطاً لا يُطاق. بل ان أكثر المهام المطروحة عليهم إلحاحاً, إنما هي إعادة اختراع وطنيتهم بعد رحيل عرفات, وصون وجودها في هذا الظرف القاتم.
ما المانع, والحالة هذه, من اختيار مروان البرغوتي رئيساً للسطلة الوطنية, بالتعيين إن تعذر التصويت, رمزاً لسيادة أسيرة, ونأياً بذلك الموقع عن صراعات القادة الطلقاء, خصوصاً من كان منهم من أصحاب المصالح والميلشيات؟
17:05 Permalink | Comments (0) | Email this
كولن باول وكونداليسا رايس
صالح بشير
المستقبل - الاحد 21 تشرين الثاني 2004 - العدد 1756 - نوافذ - صفحة 12
ملتبسة تمثيلية وزير الخارجية السابق كولن باول للزنوج الأميركان، أو للأفرو ـ أميركيين (كما بات "الصواب السياسي" يقتضي تسميتهم)، قدر التباس موقعه في الإدارة البوشية الأولى، معتدلا بين فريق من المتطرفين، انصاع لهم في نهاية المطاف وكلما حمّ القضاء وآن أوان الاختيار، وقف أمام الملأ العالمي في الأمم المتحدة يعرض "أدلتهم" على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، أكثر مما أفلح في التأثير في توجهاتهم وفي كبح جموحهم الإنفرادي أو في التخفيف منه.
بدا، طيلة سنوات أربع، كالطارئ من مجرّة أخرى هي مجرة الجمهوريين التقليديين، من طينة جورج بوش الأب، على المحيطين بجورج بوش الإبن من محافظين جدد أو أقل جدة. أرستقراطياً (وإن زائفاً)، من الآخذين بأصول الدبلوماسية الكلاسيكية، حلّ بين "انقلابيين" أو "ثوار"، اتخذوا من العالم مجالا لتنطعهم، فكان غريباً بينهم، حتى استقال أو أقاله جورج الابن، مع أنه يحظى بدعم جورج الوالد وأحد المقربين منه، في خطوة قد يعتبرها المولعون برث التحليلات النفسية، ضربا من قتل الأب بالواسطة.
وشأن كولن باول في الإدارة الأميركية السابقة، كشأنه بين بني جلدته من زنوج الولايات المتحدة. فهو منهم دون أن يكون منهم. يشاطرهم لون البشرة والمحتد الاجتماعي، إذ وُلد ونشأ في بعض أحياء البؤس شأن سوادهم (يا لصدف اللغة العربية!) الأعظم، وعاش في الشمال، حيث كابد بالتأكيد تمييزاً يبقى على أية حال دون ما كابده زنوج الولايات الجنوبية بأشواط ودون عنف منظمة "الكو كلاس كلان". وهو إلى ذلك سليل مهاجرين وفدوا من جامايكا، حيث الزنوج كثرة والعنصرية، إن وجدت، من قبيل "كريولي"، أي فولكلورية وغير منهجية في قسوتها، على فظاعتها في كل الحالات طبعا.
لذلك، كان مسار كولن باول، وإن أوصله بعيدا وشاهقا، على ما يقتضي "الحلم الأميركي" عندما يتخذ هيئة الخرافة الهوليوودية، كمسار أبناء المهاجرين (عندما ينجحون): أعوزته المواطنة "الفعلية"، لأنه طارئ لا جذور له في البلاد، فراهن على المواطنة القانونية، واتخذ من الدولة وبعض أجهزتها، ولا سيما الجيش، أداة للترقي الاجتماعي، فخاض حروب الولايات المتحدة، خصوصا في فيتنام، وغني عن القول أن الحروب تلك "إمبريالية" تعريفا، أقله منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ولم يفعل في ذلك غير ما يفعله مهاجرون أو أبناء مهاجرين كثر، يقاتلون حالياً في صفوف قوات الاحتلال في العراق، طمعاً في الحصول على الجنسية الأميركية أو على البطاقة الخضراء. لذلك، ربما كان صعوده آية على ما قد يصيبه المهاجر أو ابن المهاجر من نجاح في الولايات المتحدة أساساً، وأمارة على ما قد يصيبه الزنجي ولكن كدلالة عارضة وغير أصلية.
وذلك ليس شأن كونداليسا رايس، خصم كولن باول وصديقته، زميلته في إدارة بوش الأولى وخليفته على رأس وزارة الخارجية في إدارة بوش الثانية. فهذه زنجية أميركية بأكثر مما يتيحه لون البشرة. ولدت في بلدة من ولاية ألاباما، تلك التي كان قائد "حركة الحقوق المدنية" مارتن لوثر كينغ، وهو في ذلك الصدد خبير عليم، يصفها بأنها أكثر ولايات الجنوب تمييزاً. ابنة قس من الطبقة الوسطى السوداء (وهذه كانت إلى الفقر أدنى)، أورثها، لولعه بالموسيقى، اسمها الغريب هذا، أراد أن يسميها "كون دولشيسا" (وهو تعبير إيطالي، كجلّ مصطلحات الموسيقى، قد يعني "برِفق")، فكان أن سجلها موظف عجول أو جاهل أو اجتمعت فيه الخصلتان تحت اسم "كونداليسا". كانت شاهدة في صباها على التمييز وعلى العنف وعلى المواجهات العنصرية، إذ فُجرت كنيسة معمدانية كانت في حيها، وكان في داخلها أربع فتيات، إحداهن كانت زميلتها في المدرسة.
سيرة كونداليسا رايس، المدرسية والأكاديمية والسياسية، معلومة، تداولتها وسائل الإعلام وأسهبت هذه الأيام. أبرز ما يُستخلص منها هو ذلك المسار الاستثنائي لسيدة ارتقت، خلال جيل واحد، من أقصى الهامشية نحو أرفع درجات النجاح، ما يجعل ارتقاءها ذاك نموذجياً، أو بالأحرى فريدا أو أقرب إلى الفرادة، إذ يصعبُ أن يُقاس عليه. هي قصة نجاح شخصي أولا وأخيرا، وقد لا تعني الأفارقة الأميركيين كمجموعة، أقله لأنها تندرج ضمن تيار إيديولوجي، ذلك اليميني الجمهوري، لا يعبأ بتلك الفئة من الأميركيين بصفتها تلك، إن لم يكن مناهضاً لها في العمق، عاملا ضد مصالحها (وضد مصالح الفقراء عموماً)، إلا أنه يبقى أن قصة النجاح تلك، والتي ربما لم تكن مرجحة بمقاييس "الحتميات" الإجتماعية، نابعة من أوساط من تلك الفئة، وهي لذلك تحظى بتمثيلية ما، أكبر من تلك التي زُعمت لكولن باول على أية حال.
قد تكون سيرة كونداليسا رايس السياسية على النقيض من "صفتها" السوسيولوجية، إذ ربما كان حريّاً بتلك السيدة، وهي من هي عرقاً ومحتداً اجتماعياً، أن تكون في الحزب الديمقراطي، ولكن شيئا ما حال دونها ودون ذلك. ربما الكبرياء، تلك التي يبدو أن لها منها الكثير، قد تكون صدّتها عن "يسار" أبوي في علاقته بـ"الفئات الضعيفة"، وبالزنوج خاصة، يقرر لصالحهم "تمييزاً إيجابياً"، أشبه بالصدقة وأقرب إلى الاعتراف بقصور فيهم أصلي لا سبيل إلى استدراكه إلا بالمبادرات والإجراءات ذات الطبيعة الإنسانية.
إذا كانت تلك هي اعتباراتها، فيبدو أنها لم تخطئ التقدير، إذ أنها نالت (وقبلها كولن باول) من اليمين الجمهوري، ما لم يسبق لأية شخصية من الملوّنين، ومن الأفارقة الأميركيين، أن نالته من "اليسار" الديمقراطي أو معه. صحيح أنه سبق لجيمي كارتر أن عيّن أندرو يونغ، وهو من أقطاب حركة الحقوق المدنية، سفيرا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، يخاطب من خلاله الأغلبية العالمثالثية في المنتظم الأممي، وصحيح أنه سبق لبيل كلينتون أن عين أميركيا إفريقيا وزيرا للتجارة (قتل في حادث طائرة في البلقان)، لكن لم يسبق لرئيس ديمقراطي أن اجترأ على ما اجترأ عليه هذا الرئيس اليميني والمحافظ بتعيين كولن باول ثم كونداليسا رايس على رأس وزارة خارجية القوة الكبرى الوحيدة و"وجه الولايات المتحدة في العالم"، كما قال مخاطباً الوزيرة الجديدة.
لكن كل ذلك لا يضيف خصلة إلى مساوئ جورج بوش الكثيرة، إذ لا يعدو تعيين كونداليسا رايس أن يكون خطوة تهدف إلى تعديل مسار وإلى التطابق مع "حقائق" يدين بها الرئيس "المؤمن". مع "حقيقة" إيديولوجية، إن صحت العبارة، تتمثل في إيلاء وزارة الخارجية إلى شخصية بوشية، ترى رأي الرئيس ومن يحيطون به من محافظين جدد وقدامى، وتتبنى نظرتهم الانفرادية والأحادية إلى شؤون العالم ونزوعهم إلى عسكرة الحياة الدولية، هذا إن لم تكن المعنيّة، وهي من الصقور بلا منازع، أحد من صاغوا ذلك التوجه ونظّروا له. كما أن لتلك "الحقيقة" الإيديولوجية بعدها الداخلي، هو المتمثل في رفع "حماية" الدولة عن ضعاف الحال، والأقليات العرقية منها على نحو خاص، وهذا من البنود الأساسية والتأسيسية لبرنامج الإدارة الحالية، وذلك من خلال إبراز حالة نجاح فردي، كتلك التي تمثلها كونداليسا رايس، وتقديمها على أنها النموذج للمبادرة الفردية، وما يمكنها أن تحققه في جنة المبادرة الفردية التي يبشر بها اليمين الأميركي الظافر. وذلك ما يفضي، بطبيعة الحال، إلى ادعاء التطابق مع "حقيقة" أخرى، من طبيعة سوسيولوجية، من خلال اقتراح كونداليسا رايس ممثلا للأفارقة الأميركيين.
هل يمكن لارتقاء كونداليسا رايس أن ينهض بكل هذه الأدوار مجتمعة؟ ربما، من وجهة نظر اليمين الجمهوري طبعاً، خصوصاً وأن التوافق بينها وبين رئيسها كامل يكاد يبلغ درجة الحلول بالمعنى الصوفي، حتى إن لسانها زل مرة، فذكرت الرئيس بوش قائلة "زوجي"... أم أن زلة اللسان تلك تعبر عن غصة وتنطق بإحباط: أن الفتاة الزنجية، مهما ارتفعت في سلم الوظيفة، لا يمكنها أن تكون "السيدة الأولى"، إذ لا يزال في الولايات المتحدة تمييز كثير لم يذلل ولن يذلل في المستقبل المنظور؟
17:04 Permalink | Comments (0) | Email this
عراق ما بعد الفلوجة
صالح بشير الحياة 2004/11/15
يصح في الولايات المتحدة القول المأثور إنها "لا تنسى شيئا ولا تتعلم شيئاً". لا تنسى "إساءة", علما بأن النسيان خصلة ومأثرة في بعض الحالات, ولا تستوعب درسا. وهي لذلك بصدد إعادة حرب العراق من أولها, إن لم يكن في مداها فمن حيث المنطق, كأنه لم تمر على اجتياح بلاد الرافدين سنة ونصف السنة, تخللها من المصاعب والإخفاقات ما كان من شأنه وحريّاً به أن يراكم تجربة وأن يُشكل خبرة.
الولايات المتحدة تعيد الكرة إذاً, من خلال الهجوم على الفلوجة, فـ"تقترح" لمشكلة معقدة, سياسية وثقافية وسوسيولوجية, حلا عسكريا أي تبسيطيا. صحيح أنها حققت بعض التقدم, قياسا إلى ربيع سنة 2003, إذ لم تتوقع هذه المرة أن يستقبلها سكان الفلوجة بالزهور والرياحين, لأنها جاءت تخلصهم من استبداد الإرهابيين بمقدرات مدينتهم, لكن الجوهر يظل ثابتاً: اعتبار النجاح العسكري, وهذا يسير في متناول قوة مثل تلك الأميركية, نجاحا سياسيا, أو أداة نجاح سياسي وإكسيرا لإحلال الأمن واستتباب الاستقرار. والحال أنه يسهل توقع ما توقعه الجميع, عدا حكومة أياد علاوي ومن يشايعها ويحازبها ويرى رأيها, من أن اجتياح الفلوجة لن يستأصل الإرهاب من العراق ولن يكف أيدي الإرهابيين, من جماعة أبي مصعب الزرقاوي وما شاكلها ونحا نحوها من مجموعات, بل ربما أمدّها بنفس جديد.
يعود ذلك أساسا إلى أن الولايات المتحدة, و"حلفاءها" (حتى نبقى في حدود الأدب) في العراق, لا يريدون, عجزا أو امتناعا, تبين أمر أساسي: أن بعض العنف المستشري في البلاد مقاومة, مهما كان الرأي في تلك المقاومة, وفي أساليبها أو في ما تطرح, خصوصا في إحجامها عن أي طرح (وذلك ما يمثل أبرز نواقصها وعاهاتها), ومهما كان الموقف منها, مساندة أو اعتراضاً.
جلي أن العنف في العراق ليس وحيد المصدر, ولا متماثل الأهداف ولا هو يتوخى أجندة واحدة. بعضه من سوية "جهادية", على طريقة "القاعدة", لا يرى في العراق غير "ساحة" من ساحات الحرب الكونية ضد "اليهود والصليبيين", ولا يعنيه مآل البلد إلا من زاوية النظر هذه, وقد لا يهمه أصلا جلاء قوات الاحتلال عنه, بل ربما فضّل بقاءها في متناول ضرباته. وبعضه صادر عن بيئة معينة, هي تلك السنية العربية, في المثلث الشهير, تستشعر غبنا أو يساورها القلق منذ أن فقدت السلطة مع انهيار نظام صدام حسين, وهذه تجنح إلى عنف محدد الأهداف وعينيّ المطالب, وإن كان يؤخذ عليها أنها لم تفلح, أو لم ترغب, في تبرئة النفس من إرهاب قتلة المدنيين ومختطفي الأجانب وجازي الرؤوس, هذا إن لم تضطلع بمثل تلك الاقترافات, أو أنها توهمت إقامة "تحالف تكتيكي" (على ما تقول الرطانة السياسية المستشرية بيننا منذ أيام الثرثرة النض



