« ``What We're Fighting For" - A Follow-Up | HomePage | Stat »
29/11/2004
مؤتمر شرم الشيخ
صالح بشير الحياة 2004/11/28
عندما اقترحت الولايات المتحدة فكرة المؤتمر الدولي حول العراق, وكان ذلك في أوج حملة الرئاسيات الأميركية الأخيرة, اشتبه الكثيرون (وآفة الأخبار محللوها والمعلقون عليها لا رواتها كما كان يقول القدماء) في أن الرئيس بوش إنما أراد منها مخرجا من ورطة, ومهربا من انتقادات انهالت عليه, تأخذ عليه سياسته العراقية وتنوه بإخفاقاتها.
لكن الرئيس بوش قاد حملته الانتخابية وكأن الحرب ليست دائرة في العراق, وكأن قواته لا تواجه فيها ما تواجهه من مصاعب معلومة, وقبل بعقد المؤتمر العتيد بعد مضيّ موعد الاقتراع, فكان أن أعيد انتخابه, فحققت استراتيجيته تلك نتيجة لم تكن مرجحة, أقله في نظر من يفترضون في السياسة عقلانية ما, خصوصا بين "المتأوربين" من نخب الحزب الديموقراطي والموالين له في الولايات الساحلية الأميركية.
مآل ذلك هو ما رأينا في شرم الشيخ: الرئيس الأميركي لم يستقو بالمؤتمر الدولي حول العراق كي يعاد انتخابه, بل استقوى بإعادة انتخابه, على ذلك النحو المعلوم, على المؤتمر الدولي إياه, ذلك الذي كان في حقيقة أمره مؤتمرا أميركيا, دُعيت إليه دول العالم, أو تلك التي تأنس في نفسها بعض وزن, ودول المنطقة ومنظمات دولية, كالأمم المتحدة, أو إقليمية, كالجامعة العربية, كي تصادق, في العمق وفي نهاية المطاف, على سياسة واشنطن في بلاد الرافدين. وتلك حقيقة لا تتستر عليها بعض استدراكات طفيفة, في البيان الختامي وفي التعليقات الرسمية عليه, أو بعض تحفظات نافلة صدرت من هنا أو من هناك. وكل ذلك, قيل وكُرر خلال الأيام الأخيرة بما يغني عن كل استفاضة أو استزادة.
لكن الإقرار بما سبق لا يعفي من طرح هذا السؤال الأساسي: لماذا تلوح الولايات المتحدة (بين سائر دول العالم, في ما عدا إسرائيل ربما وعلى نطاق أضيق), في حل من إخفاقاتها ومن أخطائها, لا تنال من أرجحيتها ولا تضعفها, أقله في هذا الشأن العراقي تحديدا وتخصيصا؟ هل يعود ذلك إلى ميزان القوة وإلى انخرامه الفادح لصالحها, يحصنها من تبعات أخطائها ويدرأ عنها مفاعليها؟ قد يكون. إذ أن هامش الخطأ يتسع في وجه القوي, حتى يبلغ مبلغ المفازة التي لا يحدها البصر كما هي الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة على ما يبدو, كما يضيق في وجه الضعيف إلى درجة التلاشي والعدم. لكن التفسير هذا, إن سلمنا بصحته, يظل من قبيلٍ بالغ العمومية أو على قدر من "ميتافيزيقية", ناهيك عن أنه يوحي بضرب من جبرية لا فكاك منها في مستقبلٍ منظور.
الأرجح أن ضعف الاعتراض على سياسة الولايات المتحدة في العراق يعود أيضا, وربما أساسا, إلى أخذه برهانات ما انفك يتضح عدم جدواها. نحن بطبيعة الحال نستثني من هذا الاعتبار الدول العربية, فهذه عجزها أصلي بنيوي, وهي تفتقر إلى كل سياسة, حتى أن الدولة الأكبر بينها ضاق بها مجال التأثير حتى انحصر فعلها في الاضطلاع بوظيفة "الماجوردوم" (أو كبير الخدم في قصور النبلاء), تنظم المآتم وتتعهد المؤتمرات والندوات وتتولى وساطات لا أثر لها يُذكر في مجريات الأمور, وتقنع بتلك "الحركية" المفرطة, تعتبرها آية وزن دبلوماسي يُحسب حسابه.
وأول تلك الرهانات الخاطئة قد يكون ذلك المتمثل في التعويل كثيرا على تورط الولايات المتحدة في "المستنقع العراقي", كما تقول اللغة الصحافية السيّارة, وإيلاء التورط ذاك خصالا ردعية لا ريب فيها. مشكلة الرهان هذا أنه سلاح ذو حدين. إذ كما يمكن ابتزاز الولايات المتحدة باضطراب الوضع العراقي وبعجزها عن السيطرة عليه, يسع الولايات المتحدة أن تبتز العالم (ذلك الذي يُحسب حسابه أو يعتقد ذلك), بدءا بدول الجوار, بالاضطراب إياه. كلفة هذا الأخير باهظة للطرفين طبعا, للولايات المتحدة وللمعترضين عليها, ولكن ليس على نحو متكافئ. فهو يكلف الولايات المتحدة مالا وفيرا, بلايين الدولارات, وقتلى في صفوف جنودها, وتشويها لصورتها, لكن بلاد العم سام أبدت حتى الآن قدرتها على المكابدة, خصوصا وأن الرأي العال لا تلوح عليه علامات انقلاب على قادته, بل على العكس من ذلك, يبدي مصادقة متحمسة أو لا تخلو من حماس, كما دلت الانتخابات الأخيرة, في حين أن جرائم كتلك شهدها معتقل أبو غريب أو مجازر الفلوجة, بما فيها صورة الجندي الأميركي وهو يغتال جريحا, مما يمكن للديموقراطية أن تستوعبه وأن تمتصّه, ما دامت وسائل الإعلام الأميركية هي السباقة إلى فضح مثل تلك الجرائم وإلى التنديد به, وهو طقس يمكّن الولايات المتحدة من أن تستعيد "عذريتها" في ذلك الصدد.
والأمر ليس كذلك بطبيعة الحال بالنسبة إلى الطرف أو إلى الأطراف المقابلة. فهي الأكثر تخوفا من تمادي الإضطراب العراقي ومن استفحاله, بحيث أن خيارها في ذلك المجال ضيق بالغ الضيق وينطوي على مخاطرة: فهو يقع بين تمني استمرار ذلك الاضطراب بما يحول دون استتباب الأمور للاحتلال الأميركي من ناحية, وبين رجاء أن يتمكن الاحتلال إياه من السيطرة على الاضطراب ذاك حتى لا تمس شظاياه المنطقة بأسرها وما وراءها, خصوصا بعد أن "استوردت" الحرب الأميركية الإرهاب إلى أرض العراق, من ناحية أخرى وفي الآن نفسه. والمقاربة هذه بائسة. فهي عدا عن كونها تحمل العراق ما لا قبل به وما لا طاقة عليه, أي الاضطلاع بمفرده بدحض الأحادية الأميركية وبإفشالها, لا تمثل سياسة جديرة بهذه التسمية, إذ أنها تستند على عنصرين ليست لها قدرة على التحكم فيهما: الأداء الأميركي في العراقي, عسكريا كان ذلك الأداء أم سياسيا, وقدرة المقاومة العراقية على الاستمرار, ولهذه الأخيرة سماتها المعلومة والتي لا تطمئن, أولاها عجزها عن التشكل في كيان سياسي محدد الملامح واضح القسمات والبرامج و"الخطاب", وثانيتها طابعها الطائفي الذي لم تتمكن من تجاوزه, حتى من باب الحصول على ما يشبه التفويض الوطني من بقية مكونات الكيان, إن لم يكن المساندة, على ما حصل مع المقاومة الشيعية في جنوب لبنان. وثالثة تلك السمات, أنه خالطها الإرهاب الوافد من خارج الحدود, والعابر لها, من حيث أولوياته وأجندته, ناهيك عن أخذه بعنف أهوج, لا سياسي تعريفا.
كل ذلك, إلى عوامل أخرى كثيرة, أفضى إلى ضعف الاعتراض على سياسة الولايات المتحدة في العراق, على النحو الذي أظهره, بل فضحه, مؤتمر شرم الشيخ.
18:31 Permalink | Email this


