« عراق ما بعد الفلوجة | HomePage | إعادة اختراع الوطنية الفلسطينية »
21/11/2004
كولن باول وكونداليسا رايس
صالح بشير
المستقبل - الاحد 21 تشرين الثاني 2004 - العدد 1756 - نوافذ - صفحة 12
ملتبسة تمثيلية وزير الخارجية السابق كولن باول للزنوج الأميركان، أو للأفرو ـ أميركيين (كما بات "الصواب السياسي" يقتضي تسميتهم)، قدر التباس موقعه في الإدارة البوشية الأولى، معتدلا بين فريق من المتطرفين، انصاع لهم في نهاية المطاف وكلما حمّ القضاء وآن أوان الاختيار، وقف أمام الملأ العالمي في الأمم المتحدة يعرض "أدلتهم" على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، أكثر مما أفلح في التأثير في توجهاتهم وفي كبح جموحهم الإنفرادي أو في التخفيف منه.
بدا، طيلة سنوات أربع، كالطارئ من مجرّة أخرى هي مجرة الجمهوريين التقليديين، من طينة جورج بوش الأب، على المحيطين بجورج بوش الإبن من محافظين جدد أو أقل جدة. أرستقراطياً (وإن زائفاً)، من الآخذين بأصول الدبلوماسية الكلاسيكية، حلّ بين "انقلابيين" أو "ثوار"، اتخذوا من العالم مجالا لتنطعهم، فكان غريباً بينهم، حتى استقال أو أقاله جورج الابن، مع أنه يحظى بدعم جورج الوالد وأحد المقربين منه، في خطوة قد يعتبرها المولعون برث التحليلات النفسية، ضربا من قتل الأب بالواسطة.
وشأن كولن باول في الإدارة الأميركية السابقة، كشأنه بين بني جلدته من زنوج الولايات المتحدة. فهو منهم دون أن يكون منهم. يشاطرهم لون البشرة والمحتد الاجتماعي، إذ وُلد ونشأ في بعض أحياء البؤس شأن سوادهم (يا لصدف اللغة العربية!) الأعظم، وعاش في الشمال، حيث كابد بالتأكيد تمييزاً يبقى على أية حال دون ما كابده زنوج الولايات الجنوبية بأشواط ودون عنف منظمة "الكو كلاس كلان". وهو إلى ذلك سليل مهاجرين وفدوا من جامايكا، حيث الزنوج كثرة والعنصرية، إن وجدت، من قبيل "كريولي"، أي فولكلورية وغير منهجية في قسوتها، على فظاعتها في كل الحالات طبعا.
لذلك، كان مسار كولن باول، وإن أوصله بعيدا وشاهقا، على ما يقتضي "الحلم الأميركي" عندما يتخذ هيئة الخرافة الهوليوودية، كمسار أبناء المهاجرين (عندما ينجحون): أعوزته المواطنة "الفعلية"، لأنه طارئ لا جذور له في البلاد، فراهن على المواطنة القانونية، واتخذ من الدولة وبعض أجهزتها، ولا سيما الجيش، أداة للترقي الاجتماعي، فخاض حروب الولايات المتحدة، خصوصا في فيتنام، وغني عن القول أن الحروب تلك "إمبريالية" تعريفا، أقله منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ولم يفعل في ذلك غير ما يفعله مهاجرون أو أبناء مهاجرين كثر، يقاتلون حالياً في صفوف قوات الاحتلال في العراق، طمعاً في الحصول على الجنسية الأميركية أو على البطاقة الخضراء. لذلك، ربما كان صعوده آية على ما قد يصيبه المهاجر أو ابن المهاجر من نجاح في الولايات المتحدة أساساً، وأمارة على ما قد يصيبه الزنجي ولكن كدلالة عارضة وغير أصلية.
وذلك ليس شأن كونداليسا رايس، خصم كولن باول وصديقته، زميلته في إدارة بوش الأولى وخليفته على رأس وزارة الخارجية في إدارة بوش الثانية. فهذه زنجية أميركية بأكثر مما يتيحه لون البشرة. ولدت في بلدة من ولاية ألاباما، تلك التي كان قائد "حركة الحقوق المدنية" مارتن لوثر كينغ، وهو في ذلك الصدد خبير عليم، يصفها بأنها أكثر ولايات الجنوب تمييزاً. ابنة قس من الطبقة الوسطى السوداء (وهذه كانت إلى الفقر أدنى)، أورثها، لولعه بالموسيقى، اسمها الغريب هذا، أراد أن يسميها "كون دولشيسا" (وهو تعبير إيطالي، كجلّ مصطلحات الموسيقى، قد يعني "برِفق")، فكان أن سجلها موظف عجول أو جاهل أو اجتمعت فيه الخصلتان تحت اسم "كونداليسا". كانت شاهدة في صباها على التمييز وعلى العنف وعلى المواجهات العنصرية، إذ فُجرت كنيسة معمدانية كانت في حيها، وكان في داخلها أربع فتيات، إحداهن كانت زميلتها في المدرسة.
سيرة كونداليسا رايس، المدرسية والأكاديمية والسياسية، معلومة، تداولتها وسائل الإعلام وأسهبت هذه الأيام. أبرز ما يُستخلص منها هو ذلك المسار الاستثنائي لسيدة ارتقت، خلال جيل واحد، من أقصى الهامشية نحو أرفع درجات النجاح، ما يجعل ارتقاءها ذاك نموذجياً، أو بالأحرى فريدا أو أقرب إلى الفرادة، إذ يصعبُ أن يُقاس عليه. هي قصة نجاح شخصي أولا وأخيرا، وقد لا تعني الأفارقة الأميركيين كمجموعة، أقله لأنها تندرج ضمن تيار إيديولوجي، ذلك اليميني الجمهوري، لا يعبأ بتلك الفئة من الأميركيين بصفتها تلك، إن لم يكن مناهضاً لها في العمق، عاملا ضد مصالحها (وضد مصالح الفقراء عموماً)، إلا أنه يبقى أن قصة النجاح تلك، والتي ربما لم تكن مرجحة بمقاييس "الحتميات" الإجتماعية، نابعة من أوساط من تلك الفئة، وهي لذلك تحظى بتمثيلية ما، أكبر من تلك التي زُعمت لكولن باول على أية حال.
قد تكون سيرة كونداليسا رايس السياسية على النقيض من "صفتها" السوسيولوجية، إذ ربما كان حريّاً بتلك السيدة، وهي من هي عرقاً ومحتداً اجتماعياً، أن تكون في الحزب الديمقراطي، ولكن شيئا ما حال دونها ودون ذلك. ربما الكبرياء، تلك التي يبدو أن لها منها الكثير، قد تكون صدّتها عن "يسار" أبوي في علاقته بـ"الفئات الضعيفة"، وبالزنوج خاصة، يقرر لصالحهم "تمييزاً إيجابياً"، أشبه بالصدقة وأقرب إلى الاعتراف بقصور فيهم أصلي لا سبيل إلى استدراكه إلا بالمبادرات والإجراءات ذات الطبيعة الإنسانية.
إذا كانت تلك هي اعتباراتها، فيبدو أنها لم تخطئ التقدير، إذ أنها نالت (وقبلها كولن باول) من اليمين الجمهوري، ما لم يسبق لأية شخصية من الملوّنين، ومن الأفارقة الأميركيين، أن نالته من "اليسار" الديمقراطي أو معه. صحيح أنه سبق لجيمي كارتر أن عيّن أندرو يونغ، وهو من أقطاب حركة الحقوق المدنية، سفيرا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، يخاطب من خلاله الأغلبية العالمثالثية في المنتظم الأممي، وصحيح أنه سبق لبيل كلينتون أن عين أميركيا إفريقيا وزيرا للتجارة (قتل في حادث طائرة في البلقان)، لكن لم يسبق لرئيس ديمقراطي أن اجترأ على ما اجترأ عليه هذا الرئيس اليميني والمحافظ بتعيين كولن باول ثم كونداليسا رايس على رأس وزارة خارجية القوة الكبرى الوحيدة و"وجه الولايات المتحدة في العالم"، كما قال مخاطباً الوزيرة الجديدة.
لكن كل ذلك لا يضيف خصلة إلى مساوئ جورج بوش الكثيرة، إذ لا يعدو تعيين كونداليسا رايس أن يكون خطوة تهدف إلى تعديل مسار وإلى التطابق مع "حقائق" يدين بها الرئيس "المؤمن". مع "حقيقة" إيديولوجية، إن صحت العبارة، تتمثل في إيلاء وزارة الخارجية إلى شخصية بوشية، ترى رأي الرئيس ومن يحيطون به من محافظين جدد وقدامى، وتتبنى نظرتهم الانفرادية والأحادية إلى شؤون العالم ونزوعهم إلى عسكرة الحياة الدولية، هذا إن لم تكن المعنيّة، وهي من الصقور بلا منازع، أحد من صاغوا ذلك التوجه ونظّروا له. كما أن لتلك "الحقيقة" الإيديولوجية بعدها الداخلي، هو المتمثل في رفع "حماية" الدولة عن ضعاف الحال، والأقليات العرقية منها على نحو خاص، وهذا من البنود الأساسية والتأسيسية لبرنامج الإدارة الحالية، وذلك من خلال إبراز حالة نجاح فردي، كتلك التي تمثلها كونداليسا رايس، وتقديمها على أنها النموذج للمبادرة الفردية، وما يمكنها أن تحققه في جنة المبادرة الفردية التي يبشر بها اليمين الأميركي الظافر. وذلك ما يفضي، بطبيعة الحال، إلى ادعاء التطابق مع "حقيقة" أخرى، من طبيعة سوسيولوجية، من خلال اقتراح كونداليسا رايس ممثلا للأفارقة الأميركيين.
هل يمكن لارتقاء كونداليسا رايس أن ينهض بكل هذه الأدوار مجتمعة؟ ربما، من وجهة نظر اليمين الجمهوري طبعاً، خصوصاً وأن التوافق بينها وبين رئيسها كامل يكاد يبلغ درجة الحلول بالمعنى الصوفي، حتى إن لسانها زل مرة، فذكرت الرئيس بوش قائلة "زوجي"... أم أن زلة اللسان تلك تعبر عن غصة وتنطق بإحباط: أن الفتاة الزنجية، مهما ارتفعت في سلم الوظيفة، لا يمكنها أن تكون "السيدة الأولى"، إذ لا يزال في الولايات المتحدة تمييز كثير لم يذلل ولن يذلل في المستقبل المنظور؟
17:04 Permalink | Email this


