21/11/2004

عرفات العائد "جثماناً مطوّقاً"

صالح بشير

المستقبل - الاحد 14 تشرين الثاني 2004 - العدد 1751 - نوافذ - صفحة 11

توفي لاجئاً كما ولد وعاش لاجئاً. ياسر عرفات قضى العمر على مشارف فلسطين، وطنه الذي ظل دوماً قريباً دانياً دون أن يكون يوماً في المتناول. حتى عندما عاد إليه في أعقاب التوقيع على اتفاقات أوسلو، واستوى رئيساً لسلطة وطنية، دون الدولة بأشواط وفوق "حركة التحرر" بقليل، كانت عودته تلك، لذينك العاملين إياهما، منقوصة. انكفأت سلطته تدريجاً، حيزاً، إن لم يكن رجحاناً معنوياً، منذ أن استعرت الانتفاضة الثانية، حتى انحصرت وانحصر بين جدران مبنى المقاطعة في رام الله، يطوّقه الخراب والدبابات الإسرائيلية. لم يعش في فلسطين حراً، إلا في حدود ما أتاحه الاحتلال، فكان أن استأنف مساره ثائراً في الداخل، بعد أن أفنى عقوداً من الزمن ومن حياته ثائراً في الخارج...
توفي عرفات، وسُيدفن في مبنى المقاطعة، وسيكابد الحصار جثة. سيكون جثماناً محاصراً، أو "جثة مطوّقة" كما يقول عنوان نص شعري شهير للجزائري كاتب ياسين. وسيكون مثواه الأخير ذاك أفضل الكنايات وأبلغها عمّا آلت إليه سنوات نضاله المديد. غادر حصاره مريضاً، وهو يوزع بإشارة من اليدين واهنة آخر قبلاته، وعاد إليه رفاتاً.
هل كان نقله إلى باريس للاستشفاء قراراً حكيماً؟ أما كان أجدى بالزعيم أن يموت بين ذويه وبني جلدته وقد باتت وفاته في حكم اليقين؟ أما كان من الأجدى أن يموت سجيناً، كفعل احتجاج أخير وأقصى في وجه جلاديه وفي وجه "الأشقاء من القادة والرؤساء العرب" الذين ارتضوا لأحدهم مآلاً كذاك، وفي وجه العالم الذي تسامح مع اعتقال قائد دأب على معاملته معاملة رؤساء الدول، وهو إلى ذلك مُنتخب في هذا الزمن الذي يزعم أن لا شرعية إلا لمن انتُخب؟ قد يكون. لكن أيام الاستشفاء في باريس دلّت على أن القرار ذاك (الأخير الذي قد يكون اتخذه عرفات) كان وجيهاً مصيباً. ففي خلال الأيام تلك، وحتى إعلان الوفاة رسمياً، تبارى الفلسطينيون، بل قادتهم وأعيانهم، في الإساءة إلى رمزهم وأيقونتهم، تنازعوا مرضه وتواجهوا حول وفاته، أعلنوها مراراً وكذبوها مراراً، في ما بدا صراعاً رثاً مزرياً على إرثه، سلطة وأموالاً خفيّة. كان من الأفضل والحالة هذه (علماً بأن ياسر عرفات كان أدرى الناس برجاله)، أن تؤتمن على الأيقونة قوة أجنبية، صديقة في علاقتها بالفلسطينيين وقضيتهم، ومحايدة في صراعاتهم أو هكذا يُفترض، مثل فرنسا. تصوروا، على ضوء ما جرى، كيف كان رجال الرئيس "سيديرون" احتضاره المديد لو بقي في رام الله!
قد يرى البعض في ذلك المشهد المزري الأخير، ذروة فشل العرفاتية، تلك التي يقول خصومها ومناوئوها بأنها أخفقت في كل شيء. لم تكن ناجعة في تحرير شبر من أرض فلسطين، ولا في اجتراح مؤسسة قابلة للاستمرار بعد رئيسها. وقد يكون في هذا الكلام بعض الصحة، إذا ما قيست سياسة القائد الراحل بمعايير وعودها المُعلنة وما كانت تسعى في طلبه. صحيح أن الرجل كان، لدى وفاته، قد خسر حتى ذلك القليل من أرض فلسطين الذي كانت اتفاقات أوسلو قد مكنته من استعادته أو أوحت بذلك، وصحيح كذلك أن الراحل لم يتمكن من تحويل سلطته الوطنية إلى نواة دولة، وذلك لأسباب لا تعود فقط إلى مكر العدو. لكن العرفاتية قد لا تقاس حصراً بهذه المقاييس على أهميتها. لا شك أن بعض مواطن القصور يعود إلى أخطاء الرجل، وقد كان رحمه الله خطّاء على ما يقر أكثر أنصاره إخلاصاً له، ناهيك عن نزوعه الشديد إلى الانفراد بسلطة القرار وبأسبابه، صلاحيات وأموالاً، وإن كان نزوعه ذاك يبقى دون الدكتاتورية التي كثيراً ما أُخذت عليه ورُمي بها، أقله إذا ما قورن بأترابه من الحكام العرب، أو أن تسلطه كان من قبيل أبوي، لا قسري ولا توتاليتاري، ولعل ذلك ما جعله يكتسب، منذ أن كان في الأربعينيات من عمره، لقب "الختيار" بين أنصاره وبني شعبه.
لعل المشكلة الأساسية والكأداء التي واجهت عرفات أن قضية فلسطين، وهي قضية دولية في المقام الأول، أكثر منها قومية (على ما قال ولجّ في القول خطاب عروبي وفير)، قد لا يكون من اليسير حلها، وإن جزئيا، على صعيد قيادة بعينها أو على مدى جيل. فالأمر لا يتعلق فقط بتحرير وطن، على عسر تلك المهمة وتعقدها، بل باختراع وطنية فلسطينية، لم يكن لها وجود تاريخي... ويكفي التذكير أن مهمة كتلك استغرقت من بلد مثل الجزائر، وهو أيضاً لم يكن يوماً كياناً تاريخياً (على عكس جارتيها المغاربيتين تونس والمغرب)، ما لا يقل عن مئة وثلاثين سنة، حتى استُخلصت الكيانية الجزائرية من الاستعمار استخلاصاً شاقاً عسيراً، بل إنّ المهمة تلك استغرقت من اليهود ألفي سنة!
وإذا ما نظرنا إلى العرافاتية من هذه الزاوية، أمكننا القول إن النتيجة لا يستهان بها... فإذا ما كانت العرافاتية قد أخفقت في تحرير وطن وفي إرساء دولة، فإن ما لا جدال فيه هو أنها أفلحت في اجتراح وطنية فلسطينية، هي تلك التي يعمل آرييل شارون جاهداً على وأدها، ساعياً إلى إعادة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني إلى بداياته الأولى وإلى الأصول، أي إلى طور الإلغاء المتبادل، وغير المتكافئ طبعاً. قد يكون المكسب ذاك أهم إرث يتركه ياسر عرفات، والنتيجة التي يبدو أنه قد أفلح في إدراجها في الواقع السياسي الإقليمي والعالمي. وقد بلغ من نجاحه في ذلك أن صفته كممثل للوطنية الفلسطينية وكرمز لها، هي الوحيدة التي لم تكن يوماً موضع جدل أو دحض، لا من أبناء شعبه، رغم مآخذهم الكثيرة عليه، ولا من العالم الخارجي، حتى وإن انتقده وأقذع في انتقاده، وعاب عليه تسلطه أو سوء إدارته أو إحاطة النفس ببطانة فاسدة ومفسدة. حتى إسرائيل لم تستهدف صفته المذكورة تلك إلا مداورة، لا صراحة وجهاراً.
والنتيجة تلك لم تكن بالأمر المعطى. فهي لم تُنل فقط من خلال مقارعة العدو، بل أيضاً، وأساساً في أحيان كثيرة، عبر مواجهة الأشقاء. نيلت إلى حد كبير بالضد من تيار عربي جارف، وبتوخي علاقة ملتبسة، بالغة الالتباس مع ذلك التيار. لم يكن من السهل تأكيد الوطنية الفلسطينية في عز "المد القومي العربي"، على ما يقول المصطلح الشائع والأثير. كان لا بد من الاستقواء بالعروبة السياسية، أقله في مرحلة أولى، ولا بد من "التبرؤ" منها أو استخلاص الخصوصية الفلسطينية منها في آن. صحيح أن المقاربة العرفاتية تلك قد وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام تناقض كبير وقد يكون عضالاً، إذ هي أكدت الوطنية الفلسطينية في مواجهة العروبة السياسية، ولكنها تضررت كثيراً من هزيمة هذه الأخيرة ومن انكفائها المديد الذي بدأ مع هزيمة سنة 1967 واستُكمل في حرب الخليج الثانية، وما أعقبها.
لكن الوطنية الفلسطينية باتت حقيقة ماثلة، إذ أن عرفات، وإن لم يُمكّن الفلسطينيين من وطن ومن دولة إلا أنه مكّنهم من وطنية، "لم يجترح لهم مستقبلاً ولكنه اجترح لهم تاريخاً" (وطنياً)، كما كتب أحدهم مرةً (أم تراني توهمت ذلك؟). وذلك الإرث الذي تركه الزعيم الراحل، والذي قد لا يكون قابلاً للتقسيم ومنازعاته، على العكس من سلطة باتت حطاماً محاصراً في المقاطعة، ومن أموال تبعثرت، وشحّت مصادرها على أية حال...

The comments are closed.