10/09/2005
كيف نقرّ بالواقع المجزّأ، فلا «نسلقه» بالوحدة المتوهّمة؟
صالح بشير الحياة - 28/08/05//
بعض المتخوفين على وحدة العراق محق في توجساته تلك. وهي توجسات تغذت كثيرا من الجدل الذي أثير حول إعداد مسودة الدستور الجديد، خصوصا بين الضالعين في تلك المهمة، دون أن يستوي، دوما وفي كل الحالات، نموذجا راقيا عن التداول الديموقراطي والمسؤول في شأن حيوي كذاك.
فالسجال اتخذ في بعض الأحيان منحى مماحكاتِ ومساومات تجّار السجاد، لا ذلك الفعل التأسيسي الذي يزعم لنفسه اجتراح التاريخ، فبدا بعض الأطراف بمظهر الحريص على مصالح الطائفة أو «الملّة» (بالمعنى العثماني) أكثر من حرصه على وحدة الكيان الجامع، أو كمن يسعى، شأن الأكراد، إلى تكريس حالة شبه انفصالية، قامت في ظروف استثنائية وعلى نحو أحادي الجانب، أي من غير توافق، فيناقش انطلاقا من مبدأ الحفاظ على «مكاسبه» أمرا واقعا، في حين كان هاجس الشيعة تأكيد الأرجحية السياسية التي ظفروا بها بعد سقوط نظام صدام حسين، واستسهلوا التوافقات الجانبية يعقدونها مع الطرف الكردي، على أساس الندية في القوّة أو ما كان من قبيل ذلك، ومالوا إلى الاستهانة بالفئات الأخرى، على ما اشتكى ممثلو السنّة في لجنة الصياغة، الذين ردوا برفض مبدأ الفيديرالية، فأوقعوا معلقين (غربيين) في حيرة من أمرهم: إذ لم يفهم هؤلاء كيف ترفض أقلية مثل ذلك النظام مع أنه الكفيل بحماية حقوقها، وربما عزّوا النفس بأن في الشرق ألغازا لا قبل لـ»عقلانيتهم» بفهمها.
وقد تجسّدت كل تلك المخاوف، وهي كما قلنا محقة، وانحصرت في كلمة واحدة تقريبا: الفيديرالية وشرورها المحدقة. لسنا نريد العودة، في هذا المجال، إلى الخوض في الموضوع. كل ما نريد قوله أن الفيديرالية ليست المشكلة في حد ذاتها، على عكس ما يوحي نثر عربي غزير، بل أنها قد تكون أقل الحلول سوءا في بعض الحالات. أما المشكلة ففي طريقة توسّلها وفي المنشود من ورائها: فإذا ما انخرط كيان من الكيانات في ديناميكية انقسام وتفتت جارفة، على ما يبدو أنه الحال في العراق مع الأسف، فإن الديناميكية تلك، إذا لم يُصر إلى إيقافها، قد لا تتورع عن التذرع، بانتهازية فائقة، بأي شيء... بالفيديرالية كما بالانتخابات الديموقراطية، على ما دل الاقتراع العراقي الأخير إياه، ذلك الذي اكتسب صبغة طائفية لا جدال فيها، مع أن بلاد الرافدين دائرة انتخابية واحدة!
غير أن الأمر لا يتوقف عند بُعده الظاهري هذا، بل يعود إلى المنطق الماثل، ضمنا أو جهرا، وراء هذا الموقف، وهو القائم على مسلمة أن الوحدة (وحدة «الأمة» ووحدة كياناتها) طبيعية وأن التجزئة شذوذ، وأن الأولى أصل والثانية خيانة لذلك الأصل وتشويه له. وهذا والحق يُقال كلام إيديولوجيا، قد تكون له جدواه التعبوية، لكنه يولّد أوهاما. ومن بين تلك الأوهام، ذلك القائل بأن العراق كان كيانا موحدا، حتى جاءت الفيديرالية لتهدد تماسكه المفترض. في حين أن الأمر ليس كذلك، وأن الوحدة تلك، متى وجدت، كانت قسرية، تتستر بالعنف على واقع الانقسام دون أن تلغيه، وأن التمايزين الكردي والشيعي، لم يخترعهما الاحتلال الأميركي وإن سعى إلى استغلالهما أو إلى استغلال أحدهما. وما يُقال على العراق يصح على كيانات عربية كثيرة. حتى اتفاقات سايكس-بيكو، لم تعمد إلى تجزئة كيان سياسي قائم ومعترف به، بل تمثلت في اقتسام ولايات عثمانية سابقة بين قوتين استعماريتين منتصرتين، حتى أفل نجمهما.
هناك بلد عربي واحد تعرض إلى التقسيم، بصفته كيانا سياسيا قائم الذات، هو المغرب الذي ظل طوال تاريخه مستقلا عن الخلافة العثمانية، وتمت تجزئته على يد المستعمرين، فاستحوذت إسبانيا على شماله وعلى الصحراء الغربية، وأخذت فرنسا الباقي، واقتطعت منه موريتانيا وأجزاء شاسعة من أراضيه شرقاً ألحقتْها بمستعمرتها الجزائرية. والمفارقة أن نُخب ذلك البلد الذي كابد، على نحو فعلي، صدمة التجزئة أكثر من أي بلد آخر، أقل الناس عويلا وتباكيا على الوحدة الضائعة!
أما السواد الأعظم من الكيانات الأخرى في المنطقة، فقد اصطنعت وحدتها اصطناعا، بواسطة سلطة مركزية قاسية ومجحفة في أحيان كثيرة، كما سبقت الإشارة، وبواسطة وعاء خارجي، هي حدودها الدولية، مجال سيادتها، حسب معايير السيادة التي كانت سارية خلال الحرب الباردة، والتي ما عادت القوة العظمى الوحيدة، خصوصا في هذا العهد البوشي المتطرف، تقيم لها وزنا. وهذا مع عدم نكران أن التاريخ الكياني قد أوجد، داخل بلدان المنطقة منذ استقلالها، روابط بين سكانها قد لا ترقى إلى مرتبة الهوية الوطنية لكن لا مجال، من وجه آخر، إلى التهوين من شأنها.
لذلك، ربما توجب الكفّ عن الحلم بابتعاث وحدة أسطورية، إن على صعيد الكيان وإن على صعيد الأمة، لم يسبق لها أن وُجدت أو هي تعود إلى ماضٍ غائر سحيق، والنظر إلى الوحدة، كيانية كانت أم عربية (إن أرادت شعوب المنطقة ذلك) على أنها أفق مستقبلي، تستقي شرعيتها من المستقبل لا من ماض مفترض، وأنها يجب أن تُخترع اختراعا، بأدوات من قبيل الفيديرالية أو سواها، لا أن تُرمّم أو أن «تُستعاد».
وفي هذا الصدد تشكل التجربة العراقية مثالا على ما يجب فعله وعلى ما يتعين تجنبه: الإقرار بواقع التعدد الإثني والطائفي، مهما كان كريها، وتنادي ممثليه إلى التداول حول وسائل وآليات تعايشهم ضمن كيان جامع من جهة، ومن جهة أخرى التحلي بما يكفي من نضج حتى لا يبلغ الحرص على التمايز مبلغ التفتت والاحتراب الأهلي. مع الاعتراف بعسر تلك المهمة في ظل احتلال أميركي، يتسرع التوصل إلى نتائج بعينها سلقاً، لدوافع واهية العلاقة بالعراق وبمستقبل أبنائه.
ومثل تلك المهمة إما أن تجري طوعا، حيث لا يزال ذلك ممكنا، وإما أن تتحقق بقسر خارجي، كذلك الذي تمثل حال العراق إنذارا به بليغا
19:35 Permalink | Comments (0) | Email this
03/09/2005
كيف نقرّ بالواقع المجزّأ، فلا «نسلقه» بالوحدة المتوهّمة؟
صالح بشير الحياة - 28/08/05
بعض المتخوفين على وحدة العراق محق في توجساته تلك. وهي توجسات تغذت كثيرا من الجدل الذي أثير حول إعداد مسودة الدستور الجديد، خصوصا بين الضالعين في تلك المهمة، دون أن يستوي، دوما وفي كل الحالات، نموذجا راقيا عن التداول الديموقراطي والمسؤول في شأن حيوي كذاك.
فالسجال اتخذ في بعض الأحيان منحى مماحكاتِ ومساومات تجّار السجاد، لا ذلك الفعل التأسيسي الذي يزعم لنفسه اجتراح التاريخ، فبدا بعض الأطراف بمظهر الحريص على مصالح الطائفة أو «الملّة» (بالمعنى العثماني) أكثر من حرصه على وحدة الكيان الجامع، أو كمن يسعى، شأن الأكراد، إلى تكريس حالة شبه انفصالية، قامت في ظروف استثنائية وعلى نحو أحادي الجانب، أي من غير توافق، فيناقش انطلاقا من مبدأ الحفاظ على «مكاسبه» أمرا واقعا، في حين كان هاجس الشيعة تأكيد الأرجحية السياسية التي ظفروا بها بعد سقوط نظام صدام حسين، واستسهلوا التوافقات الجانبية يعقدونها مع الطرف الكردي، على أساس الندية في القوّة أو ما كان من قبيل ذلك، ومالوا إلى الاستهانة بالفئات الأخرى، على ما اشتكى ممثلو السنّة في لجنة الصياغة، الذين ردوا برفض مبدأ الفيديرالية، فأوقعوا معلقين (غربيين) في حيرة من أمرهم: إذ لم يفهم هؤلاء كيف ترفض أقلية مثل ذلك النظام مع أنه الكفيل بحماية حقوقها، وربما عزّوا النفس بأن في الشرق ألغازا لا قبل لـ»عقلانيتهم» بفهمها.
وقد تجسّدت كل تلك المخاوف، وهي كما قلنا محقة، وانحصرت في كلمة واحدة تقريبا: الفيديرالية وشرورها المحدقة. لسنا نريد العودة، في هذا المجال، إلى الخوض في الموضوع. كل ما نريد قوله أن الفيديرالية ليست المشكلة في حد ذاتها، على عكس ما يوحي نثر عربي غزير، بل أنها قد تكون أقل الحلول سوءا في بعض الحالات. أما المشكلة ففي طريقة توسّلها وفي المنشود من ورائها: فإذا ما انخرط كيان من الكيانات في ديناميكية انقسام وتفتت جارفة، على ما يبدو أنه الحال في العراق مع الأسف، فإن الديناميكية تلك، إذا لم يُصر إلى إيقافها، قد لا تتورع عن التذرع، بانتهازية فائقة، بأي شيء... بالفيديرالية كما بالانتخابات الديموقراطية، على ما دل الاقتراع العراقي الأخير إياه، ذلك الذي اكتسب صبغة طائفية لا جدال فيها، مع أن بلاد الرافدين دائرة انتخابية واحدة!
غير أن الأمر لا يتوقف عند بُعده الظاهري هذا، بل يعود إلى المنطق الماثل، ضمنا أو جهرا، وراء هذا الموقف، وهو القائم على مسلمة أن الوحدة (وحدة «الأمة» ووحدة كياناتها) طبيعية وأن التجزئة شذوذ، وأن الأولى أصل والثانية خيانة لذلك الأصل وتشويه له. وهذا والحق يُقال كلام إيديولوجيا، قد تكون له جدواه التعبوية، لكنه يولّد أوهاما. ومن بين تلك الأوهام، ذلك القائل بأن العراق كان كيانا موحدا، حتى جاءت الفيديرالية لتهدد تماسكه المفترض. في حين أن الأمر ليس كذلك، وأن الوحدة تلك، متى وجدت، كانت قسرية، تتستر بالعنف على واقع الانقسام دون أن تلغيه، وأن التمايزين الكردي والشيعي، لم يخترعهما الاحتلال الأميركي وإن سعى إلى استغلالهما أو إلى استغلال أحدهما. وما يُقال على العراق يصح على كيانات عربية كثيرة. حتى اتفاقات سايكس-بيكو، لم تعمد إلى تجزئة كيان سياسي قائم ومعترف به، بل تمثلت في اقتسام ولايات عثمانية سابقة بين قوتين استعماريتين منتصرتين، حتى أفل نجمهما.
هناك بلد عربي واحد تعرض إلى التقسيم، بصفته كيانا سياسيا قائم الذات، هو المغرب الذي ظل طوال تاريخه مستقلا عن الخلافة العثمانية، وتمت تجزئته على يد المستعمرين، فاستحوذت إسبانيا على شماله وعلى الصحراء الغربية، وأخذت فرنسا الباقي، واقتطعت منه موريتانيا وأجزاء شاسعة من أراضيه شرقاً ألحقتْها بمستعمرتها الجزائرية. والمفارقة أن نُخب ذلك البلد الذي كابد، على نحو فعلي، صدمة التجزئة أكثر من أي بلد آخر، أقل الناس عويلا وتباكيا على الوحدة الضائعة!
أما السواد الأعظم من الكيانات الأخرى في المنطقة، فقد اصطنعت وحدتها اصطناعا، بواسطة سلطة مركزية قاسية ومجحفة في أحيان كثيرة، كما سبقت الإشارة، وبواسطة وعاء خارجي، هي حدودها الدولية، مجال سيادتها، حسب معايير السيادة التي كانت سارية خلال الحرب الباردة، والتي ما عادت القوة العظمى الوحيدة، خصوصا في هذا العهد البوشي المتطرف، تقيم لها وزنا. وهذا مع عدم نكران أن التاريخ الكياني قد أوجد، داخل بلدان المنطقة منذ استقلالها، روابط بين سكانها قد لا ترقى إلى مرتبة الهوية الوطنية لكن لا مجال، من وجه آخر، إلى التهوين من شأنها.
لذلك، ربما توجب الكفّ عن الحلم بابتعاث وحدة أسطورية، إن على صعيد الكيان وإن على صعيد الأمة، لم يسبق لها أن وُجدت أو هي تعود إلى ماضٍ غائر سحيق، والنظر إلى الوحدة، كيانية كانت أم عربية (إن أرادت شعوب المنطقة ذلك) على أنها أفق مستقبلي، تستقي شرعيتها من المستقبل لا من ماض مفترض، وأنها يجب أن تُخترع اختراعا، بأدوات من قبيل الفيديرالية أو سواها، لا أن تُرمّم أو أن «تُستعاد».
وفي هذا الصدد تشكل التجربة العراقية مثالا على ما يجب فعله وعلى ما يتعين تجنبه: الإقرار بواقع التعدد الإثني والطائفي، مهما كان كريها، وتنادي ممثليه إلى التداول حول وسائل وآليات تعايشهم ضمن كيان جامع من جهة، ومن جهة أخرى التحلي بما يكفي من نضج حتى لا يبلغ الحرص على التمايز مبلغ التفتت والاحتراب الأهلي. مع الاعتراف بعسر تلك المهمة في ظل احتلال أميركي، يتسرع التوصل إلى نتائج بعينها سلقاً، لدوافع واهية العلاقة بالعراق وبمستقبل أبنائه.
ومثل تلك المهمة إما أن تجري طوعا، حيث لا يزال ذلك ممكنا، وإما أن تتحقق بقسر خارجي، كذلك الذي تمثل حال العراق إنذارا به بليغا.
17:39 Permalink | Comments (0) | Email this
أوروبا وجالياتها "الإسلامية"
المستقبل - الاحد 28 آب 2005 - العدد 2022 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
السجال على أشده في أوروبا حول الجاليات الإسلامية وكيفية التعاطي معها، خصوصا وأن بين أفراد تلك الجاليات كثرة كفّت عن أن تكون مهاجرة، طارئة وقتية الإقامة، على ما يُعتقد أو كان يُعتقد، لتصبح مواطِنة، بالتجنيس أو بالولادة، ومن هذه الفئة الأخيرة من لم يعرف له وطنا غير بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا أو سواها من بلدان القارة التي أبصر فيها النور أو جاءها صغيرا أبيض الذاكرة أو يكاد.
وتتواجه في هذا السجال مدرستان: تلك "الإدماجية" وتلك "الثقافوية"، إن جازت العبارتان. أما الأولى فتأخذ بها، في صيغة لها قد تبلغ مبلغ الغلو، فرنسا التي لا تعترف إلا بمبدأ الانتماء الفردي، أي تأخذ الفرد المهاجر أو سليل المهاجر، بمعزل عن كل انتماء إلى فئة (دينية أو إثنية) لـ"تصهره" في وعاء الجمهورية، وهذه لديها أكثر من مجرد نظام حكم بل هي ضرب من "لاهوت مدني" ومن هوية (قومية) تتجاوز الهويات "التفصيلية" وتجبّها. وأما الأنموذج الثاني فهو الذي تمثله (أو مثلته حتى الآن) بريطانيا، وقوامه عدم اعتبار صفة "المواطنة" صفة حصرية، والإقرار بانتماءات، عضوية ثقافية وإثنية، تقع في ما قبلها ولا تنافيها بالضرورة ولا تنقضها.
الفرنسيون رأوا، وإن استنكفوا عن التشفي، أن تفجيرات لندن الأخيرة أكسبتهم جولة في ذلك السجال، إذ برهنت على أن المقاربة البريطانية، التي بالغت في احترام الخصوصيات الثقافية إلى درجة التسامح حيال المتطرفين، تستقبلهم وتغدق عليهم من المال العمومي ما استمر تطرفهم لفظيا، على قصورها أو كان مآلها إخفاق تلوح أجراءات التشدد التي اتخذتها حكومة بلير إقرارا به. بل أن بعض الفرنسيين ذهب إلى المقارنة، مفاضلا، بين مسلمي بلاده، الذين اصطفوا إلى جانب وطنهم، عندما أثيرت قضية حظر الحجاب في المؤسسات العمومية، وعمدت مجموعة مسلحة في العراق إلى اختطاف صحافييْن فرنسيين مبتزة باريس لدفعها إلى التراجع عن ذلك القانون، وبين مسلمي بريطانيا الذين خرج من بين ظهرانيهم مرتكبو تفجيرات السابع ثم الواحد والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، وهي مقارنة يلمّح استطرادا إلى تفضيل أنموذج الإدماج الفرنسي على نظيره البريطاني.
لكن مثل هذه السجالات من طبيعة إيديولوجية، وهي تتعلق بأنصبة الحكم وبالنظم الاجتماعية المعمول بها هنا وهناك، وتتخطى مسألة التعاطي مع الجاليات المسلمة، وهي بالتالي سجالات لا يمكنها أن تُحسم حول أمر تفصيلي كهذا. إذ أن أنموذج الإدماج الفرنسي نفسه ليس بمنأى عن عمل إرهابي، يقترفه مسلمون "مواطنون" ويبرهن بدوره عن قصور ذلك الأنموذج وعن محدودية فعله، أو أن ذلك ما سيبادر البعض إلى استخلاصه.
الأرجح إذن أن ليس من أنموذج أفضل من سواه. لذلك ربما توجب البحث عن طريقة أخرى لطرح الموضوع، على نحو لا ينحصر في الجدل حول المقاربتين بل يركز على ما يمكن أن يكون سبب إخفاقهما معا، بالعودة إلى تفحص بعض مسلمات يشتركان في الأخذ بها، عن وعي منهما أو عن غير وعي.
ولعل أولى تلك المسلمات افتراض الانتماء الديني أساسا جامعا مانعا للهوية أو يكاد، وإن تباين التعامل معه، بين من يعتبره ناقضا للمواطنة منافيا لها وبين من يرى العكس. ففي الحالتين، يجري الانطلاق من وجود كائن مسلم يستوفي الإسلامُ كل عناصر وأوجه هويته ويستوعبها استيعابا كاملا، ويُتعامل معه ، سلبا أو إيجابا، على أساس ذلك.
والحال، الذي ينطق به الواقع، أن أمرا كهذا لا يخلو من افتعال ومن تعسّف. فإذا كان من المفروغ منه أن الإسلام يشكل بعدا هاما وأساسيا في بناء هوية المؤمنين به، إلا أن تلك الهوية لا تقتصر عليه بل تغتذي من مكونات أخرى كثيرة، تعود إلى خصوصيات تاريخية وثقافية وسواها. غير أن المكوّنات تلك باتت تُغمط وتُجحد، تحت وطأة كل من إيديولوجيا بعينها ومن أخرى لها مضادة، التقيتا على ابتسار المسلم في إسلامه حصرا. وهكذا، يصل المرء إلى بريطانيا أو إلى فرنسا أو إلى ألمانيا مغربيّا أو تركيّا أو باكستانيّا (مع ما يفترضه كل انتساب من هذه من خلفيات ثقافية متنوعة متباينة)، فيجد نفسه في بلد الإقامة وقد تحوّل إلى مسلم وكفى، إن في نظر السلطات التي تتعاطى معه على ذلك الأساس وإن من قبل من انتدبوا أنفسهم لتمثيله، من مجالس إسلامية وسواها، فيُحشر ضمن جالية لم يخترها بالضرورة، تُصوَّر على أنها كتلة متمايزة متجانسة.
وجالية كتلك مصطنعة طبعا، لا وجود لها إلا في أذهان الساسة و الإيديولوجيين و"الخبراء" وفي وسائل الإعلام. لأن تلك الجالية الافتراضية هي في واقع أمرها جاليات حقيقية، لا رابط بينها، في الحياة اليومية، غير المساجد إبان إقامة الصلاة، أو ما شابه ذلك من المناسبات والطقوس الدينية، فلا تكاد تختلط في ما عدا ذلك ولا تكاد تلتقي، فهي إما منكفئة وإما ضالعة في وشائج وعلاقات ثقافية ليست من طبيعة دينية حكما ولزاما، إذ من المؤكد أن ما يجمع بين باكستاني مسلم، ومهاجر غير مسلم من شبه القارة الهندية، على صعيد العادات والمأكولات والذائقة ووسائل الترفيه وما إليها من مكونات العيش اليومي أكثر بما لا يقاس مما يجمع بينه وبين تركي مسلم أو مغاربي مسلم، وقس على ذلك كلا من هؤلاء في علاقته بسواه من "إخوته في الدين" في المهاجر الغربية.
وهكذا، نصل إلى المفارقة: أن بلدانا علمانية هي التي ربما "اجترحت" أو كانت فاعلة في اجتراح طوائف دينية في كنفها، بفعل عمى ناجم عن نظرة إلى الآخر جوهرانية أو لأن تلك البلدان، في حمأة حربها ضد إيديولوجيات ومخاطر بعينها، لم تنتبه إلى أنها استعارت منها، دون أن تدري، مسلماتها ونظرتها إلى ذاتها وإلى العالم، فاسبغتها على مسلميها.
أما عنف مفجري لندن، وهم بين باكستاني ووافد من بلدان القرن الإفريقي، فالأرجح أنه فعل احتجاج أرعن من شباب مهمش مسدود الآفاق، ربما كان، لو ظهر قبل ثلاثين سنة من الآن، لينجرّ في تعاطفات تمرّدية ـ عنفية أخرى أو نقيضة، كأن يكون ماويّا أو من أنصار الجيش الأحمر الياباني. وهو بالتالي لا يمثل "جالية"، بالمعنى الآنف الذكر، لا وجود لها...
17:28 Permalink | Comments (0) | Email this


